التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٩٩ - سورة البقرة(٢) آية ٩٤
نعم إنّهم آيسون من الآخرة على قدر ما هم حريصون على حياة الدنيا.
وَ لَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَ اللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ.
*** [٢/ ٢٧٣٣] قال عليّ بن إبراهيم: أحبّوا العجل حتّى عبدوه، ثمّ قالوا: نحن أولياء اللّه! فقال اللّه- عزّ و جلّ-: إن كنتم أولياء اللّه كما تقولون فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ إذ قد جاء في التوراة: إنّ أولياء اللّه يتمنّون الموت و لا يرهبونه.[١]
و قال أبو جعفر: و هذه الآية ممّا احتجّ اللّه بها لنبيّه محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم على اليهود الّذين كانوا بين ظهرانيّ مهاجره، و فضح بها أحبارهم و علماءهم. و ذلك أنّ اللّه- جلّ ثناؤه- أمر نبيّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أن يدعوهم إلى قضيّة عادلة بينه و بينهم فيما كان بينه و بينهم من الخلاف، كما أمره اللّه أن يدعو الفريق الآخر من النصارى إذ خالفوه في عيسى (صلوات اللّه عليه) و جادلوا فيه إلى فاصلة بينه و بينهم من المباهلة[٢]. و قال لفريق اليهود: إن كنتم محقّين فتمنّوا الموت، فإنّ ذلك غير ضارّكم إن كنتم محقّين فيما تدّعون من الإيمان و قرب المنزلة من اللّه، بل إن أعطيتم أمنيّتكم من الموت إذا تمنّيتم فإنّما تصيرون إلى الراحة من تعب الدنيا و نصبها و كدر عيشها، و الفوز بجوار اللّه في جنانه، إن كان الأمر كما تزعمون أنّ الدار الآخرة لكم خالصة دوننا. و إن لم تعطوها علم الناس أنّكم المبطلون و نحن المحقّون في دعوانا، و انكشف أمرنا و أمركم لهم. فامتنعت اليهود من إجابة النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم إلى ذلك؛ لعلمها أنّها إن تمنّت الموت هلكت فذهبت دنياها و صارت إلى خزي الأبد في آخرتها. كما امتنع فريق النصارى الّذين جادلوا النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في عيسى- إذ دعوا إلى المباهلة- من المباهلة؛ فبلغنا أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قال: «لو أنّ اليهود تمنّوا الموت لماتوا و لرأوا مقاعدهم من النار، و لو خرج الّذين يباهلون رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لرجعوا لا يجدون أهلا و لا مالا».
[٢/ ٢٧٣٤] حدثنا بذلك أبو كريب، بالإسناد إلى عكرمة، عن ابن عبّاس، عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم.
[١] القمّي ١: ٥٤؛ البحار ٩: ١٨٦/ ١٥.
[٢] يشير إلى قوله تعالى في الآية ٦١ من سورة آل عمران: فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَ أَبْناءَكُمْ وَ نِساءَنا وَ نِساءَكُمْ وَ أَنْفُسَنا وَ أَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ.