التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٣٥ - حادث نتوق الجبل
قال تعالى:
[سورة البقرة (٢): الآيات ٦٣ الى ٦٤]
وَ إِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ وَ رَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَ اذْكُرُوا ما فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٦٣) ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَ رَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ (٦٤)
موقف آخر من مواقف بني إسرائيل المتعنّتة: قصّة أخذ الميثاق، حسبما جاء تفصيله في الآية ٨٣ من السورة و مواضع أخر من القرآن، و بما فيه من التملّص و التقلّص منه، ثمّ التشديد عليه لطفا بهم كتشديد الطبيب الناصح على المريض اللجوج .. و لكن هيهات و تلك القلوب القاسية الجامحة ترفض النصح السليم و تجنح إلى السرح السقيم، بغيا و عتوّا، و لا يزالون يبتغون الفساد في الأرض كلّما حلّوا و ارتحلوا.
و هكذا كانت يهود المدينة تعمل الخبائث و تقوم بالدسائس تجاه صرح الإسلام القويم.
نعم لا بدّ مع أخذ العهد بقوّة و جدّ و استجماع نفس و تصميم لا بدّ مع هذا من تذكّر ما فيه و استشعار حقيقته، و التكليف بهذه الحقيقة، كي لا يكون الأمر كلّه مجرّد حماسة و حميّة و قوّة. فعهد اللّه منهج الحياة، منهج يستقرّ في القلب تصوّرا و شعورا، و يستقرّ في الحياة وضعا و نظاما، و يستقرّ في السلوك أدبا و خلقا، و ينتهي إلى التقوى و الحسّاسيّة برقابة اللّه و خشية المصير.
و لكن هيهات! لقد أدركت إسرائيل نحيزتها[١] و غلبت عليها جبلّتها: ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ غير أنّ رحمة اللّه وسعت غضبه فأدركتهم مرّة أخرى و شملهم فضله العظيم، فأنقذهم من الخسار المبين فَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَ رَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ.
حادث نتوق الجبل
ممّا يسترعي الانتباه هنا هو حادث نتوق الجبل فوق رءوس بني إسرائيل، بما اضطرّهم إلى قبول العهد و الاستسلام للشريعة!
[١] النحيزة: الطبيعة. يقال: هو كريم النحيزة أي شريف رفيع.