التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٣٣ - ملحوظة
محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم. فبينا هو يوما يرعي، إذ أتاه صاحبه الذي يعقبه[١]، فقال: أشعرت أنّه قد قدم اليوم المدينة رجل يزعم أنّه نبيّ؟ فقال له سلمان: أقم في الغنم حتّى آتيك، فهبط سلمان إلى المدينة، فنظر إلى النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و دار حوله، فلمّا رآه النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم عرف ما يريد، فأرسل ثوبه، حتّى خرج خاتمه، فلمّا رآه أتاه و كلّمه، ثمّ انطلق، فاشترى بدينار ببعضه شاة و ببعضه خبزا، ثمّ أتاه به، فقال: «ما هذا؟» قال سلمان: هذه صدقة! قال: «لا حاجة لي بها فأخرجها فليأكلها المسلمون». ثمّ انطلق فاشترى بدينار آخر خبزا و لحما، فأتى به النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، فقال: «ما هذا؟» قال: هذه هديّة، قال: «فاقعد»، فقعد فأكلا جميعا منها. فبينا هو يحدّثه إذ ذكر أصحابه، فأخبره خبرهم، فقال: كانوا يصومون و يصلّون و يؤمنون بك، و يشهدون أنّك ستبعث نبيّا؛ فلمّا فرغ سلمان من ثنائه عليهم قال له نبيّ اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «يا سلمان هم من أهل النار»! فاشتدّ ذلك على سلمان، و قد كان قال له سلمان: لو أدركوك صدّقوك و اتبعوك، فأنزل اللّه هذه الآية: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ الَّذِينَ هادُوا وَ النَّصارى وَ الصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ[٢].
فكان إيمان اليهود أنّه من تمسّك بالتوراة و سنّة موسى حتّى جاء عيسى، فلمّا جاء عيسى كان من تمسّك بالتوراة و أخذ بسنّة موسى فلم يدعها و لم يتّبع عيسى كان هالكا. و إيمان النصارى أنّه من تمسّك بالإنجيل منهم و شرائع عيسى كان مؤمنا مقبولا منه، حتّى جاء محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، فمن لم يتّبع محمّدا صلّى اللّه عليه و آله و سلّم منهم و يدع ما كان عليه من سنّة عيسى و الإنجيل كان هالكا[٣].
[٢/ ٢٢٨١] و أخرج ابن جرير عن ابن جريج، عن مجاهد قال: سأل سلمان الفارسي النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم عن أولئك النصارى و ما رأى من أعمالهم، قال: لم يموتوا على الإسلام! قال سلمان: فأظلمت عليّ الأرض و ذكر اجتهادهم، فنزلت هذه الآية، فدعا النبيّ سلمان فقال: «نزلت هذه الآية في أصحابك». ثمّ قال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «من مات على دين عيسى و مات على الإسلام قبل أن يسمع بي فهو
[١] أي الذي يأتي بعده في نوبته.
[٢] رواه ابن أبي حاتم صدرا و ذيلا مختزلا. التفسير ١: ١٢٧. قال: و روي عن سعيد بن جبير نحو هذا؛ الدرّ ١: ٣٨٩- ٣٩٤، ط: دار هجر.
[٣] الطبري ١: ٤٥٨- ٤٦١.