التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٩٥ - مزعومة نسخ التلاوة
مسلم و من لفّ لفّه، و يبطل كذلك ما ذهب إليه المانعون له من ناحية العقل، و هم فريق من المعتزلة شذّ عن الجماعة، فزعم أنّ هذين النوعين الأخيرين مستحيلان عقلا.[١]
قلت: ما أشرف حكم العقل، لو لا أنّ أمثال الزرقاني حصروه في أصحاب الاعتزال، و جعلوا من أنفسهم بمعزل عن نور العقل الحكيم!
و أمّا الأستاذ العريض فقد ذهب هنا مذهبا تحقيقيّا و أسهب في الردّ على هذا القول الفاسد، دفاعا عن كرامة القرآن. و نقل عن جماعة من معاصريه مواكبته على هذا الرأي السديد.[٢]
*** و بعد فإليك ما كتبناه بهذا الصدد، بشأن صيانة القرآن من التحريف، بحثا وراء تفنيد مزعومتين: مزعومة نسخ التلاوة و مزعومة الإنساء: زعموا أنّ من آي القرآن ما نسخت تلاوتها- و إن كان بقي حكمها- كما أسلفنا، كما أنّ هناك من آي القرآن ما تنوسي، أنساها اللّه عن القلوب، كما هي محيت من صحائف القرآن؟!
و إليك ما كتبناه نصّا (و فيه بعض التكرار لما سبق):
مزعومة نسخ التلاوة
هناك مزعومة لهج بها كثير من أصحاب الحديث و جماعة من أصوليّ العامّة، حاولوا معالجة ما صحّ لديهم من روايات تنمّ عن ضياع كثير من آي القرآن، فحاولوا توجيهها بأسلوب مختلق، قالوا:
إنّها من منسوخ التلاوة، و لو فرض الحكم باقيا مع الأبد. كما في آية «الرضعات العشر» و آية «رجم الشيخ و الشيخة» و آية «لا يملأ جوف ابن آدم إلّا التراب» و غيرهنّ كثير، حسبوها آيات قرآنيّة، كانت تتلى على عهده صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، لكنّها رفعت فيما بعد و نسيت عن الصدور، و إن بقي حكمها واجب العمل أبدا. و بهذا الاسلوب الغريب حاولوا توجيه ما عساه كان ثابتا لديهم من صحاح الأحاديث[٣]. و أمّا علماؤنا المحقّقون فقد شطبوا على هكذا روايات تخالف صريح القرآن، و لم
[١] راجع: مناهل العرفان ٢: ٢١٥- ٢١٦.
[٢] راجع: فتح المنّان: ٢٢٤- ٢٣٠.
[٣] و للقاضي أبي بكر الباقلاني( توفّي سنة ٤٠٣) محاولة عريضة هنا بصدد الدفاع عن مواضع بعض السلف حيث نسب إليهم من القول بنقص الكتاب عمّا كان عليه في حياة الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم من قبيل آية الرجم و غيرها. فحاول إثبات أنّها من منسوخ التلاوة إن صحّت النسبة، و إلّا فهو محال باطل. راجع« نكت الانتصار» له: ٩٥- ١٠٨.