التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٥٤٢ - سورة البقرة(٢) آية ١١٥
كان كنت عليه؟ فقد تركته إلى باطل، فإنّما يخالف الحقّ الباطل؟! أو باطلا كان ذلك، فقد كنت عليه طول هذه المدّة! فما يؤمّننا أن تكون الآن على باطل؟! فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: بل ذلك كان حقّا و هذا حقّ، يقول اللّه: قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَ الْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ[١] إذا عرف صلاحكم يا أيّها العباد في استقبال المشرق، أمركم به، و إذا عرف صلاحكم في استقبال المغرب، أمركم به، و إن عرف صلاحكم في غيرهما أمركم به، فلا تنكروا تدبير اللّه في عباده، و قصده إلى مصالحكم.
ثمّ قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم- مخاطبا لليهود-: قد تركتم العمل يوم السبت، ثمّ عملتم بعده سائر الأيّام، ثمّ تركتموه في السبت ثمّ عملتم بعده، أ فتركتم الحقّ إلى باطل أو الباطل إلى حقّ؟ أو الباطل إلى باطل؟ أو الحقّ إلى حقّ؟ قولوا كيف شئتم، فهو قول محمّد و جوابه لكم.
قالوا: بل ترك العمل في السبت حقّ، و العمل بعده حقّ! فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: فكذلك قبلة بيت المقدس في وقته حقّ، ثمّ قبلة الكعبة في وقته حقّ.
ثمّ قالوا: يا محمّد، أ فبدا لربّك فيما كان أمرك به بزعمك من الصلاة إلى بيت المقدس، حين نقلك إلى الكعبة؟ فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: ما بدا له عن ذلك، فإنّه العالم بالعواقب، و القادر على المصالح، لا يستدرك على نفسه غلطا، و لا يستحدث رأيا يخالف المتقدم، جلّ عن ذلك، و لا يقع أيضا عليه مانع يمنعه عن مراده، و ليس يبدو إلّا لمن كان هذا وصفه، و هو- عزّ و جلّ- متعال عن هذه الصفات علوّا كبيرا.
ثمّ قال لهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: أيّها اليهود، أخبروني عن اللّه، أ ليس يمرض ثمّ يصحّ؟ و يصحّ ثمّ يمرض؟ أبدا له في ذلك؟ أ ليس يحيي و يميت؟ أ ليس يأتي بالليل في أثر النهار ثمّ بالنهار في أثر الليل؟ أبدا له في كلّ واحد من ذلك؟ قالوا: لا، قال: فكذلك اللّه تعبّد نبيّه محمّدا، بالصلاة إلى الكعبة، بعد أن تعبّده بالصلاة إلى بيت المقدس، و ما بدا له في الأوّل.
ثمّ قال: أ ليس اللّه يأتي بالشتاء في أثر الصيف؟ و الصيف في أثر الشتاء؟ أبدا له في كلّ واحد من ذلك؟ قالوا: لا، قال: فكذلك لم يبد له في القبلة. ثمّ قال: أ ليس قد ألزمكم في الشتاء أن تحترزوا من البرد بالثياب الغليظة؟ و ألزمكم في الصيف أن تحترزوا من الحرّ؟ فبدا له في الصيف حتّى أمركم
[١] البقرة ٢: ١٤٢.