التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٨٢ - كلام في تأويل الحطة
و قد عرفت من ابن حجر: أنّ حديث السفينة و حديث الأمان من المستفيضات المتظافرة[١].
و بعد فلنرجع إلى بقيّة الآيات السابقة:
قوله تعالى: فَأَنْزَلْنا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزاً مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ
و قد عرفت أنّ الّذين ظلموا هم العشرة الّذين تخلّفوا عن الذي أمروا بإفشائه من الترغيب و التشجيع في أمر القتال و القيام للنضال. فأخذهم اللّه بموت الفجأة، فهلكوا لوقتهم.
قال جمال الدين القاسمي: و الرجز هو: الموت بغتة، و نقل عن بعضهم: أنّ العذاب على ضربين، ضرب قد يمكن دفعه أو يظنّ إمكان دفعه .. كالهدم و الغرق، و ضرب لا يمكن و لا يظنّ دفعه بقوّة آدميّ، كالطاعون و الصاعقة و الموت المفاجئ، قال: و هو المعنيّ بقوله: رِجْزاً مِنَ السَّماءِ[٢].
و للمفسّرين القدامى أقوال و آراء، فذكر منها ما قاله أبو جعفر الطبري:
قال في تأويل قوله تعالى: فَأَنْزَلْنا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزاً مِنَ السَّماءِ:
يعني بقوله: فَأَنْزَلْنا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا على الّذين فعلوا ما لم يكن لهم فعله من تبديلهم القول- الذي أمرهم اللّه جلّ و عزّ أن يقولوه- قولا غيره، و معصيتهم إيّاه فيما أمرهم به و بركوبهم ما قد نهاهم عن ركوبه رِجْزاً مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ. و الرّجز في لغة العرب: العذاب، و هو غير الرّجز[٣]، و ذلك أنّ الرّجز: البثر[٤]، و منه الخبر الذي روي عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في الطاعون:
[٢/ ٢١٣٤] أنّه قال: «إنّه رجز عذّب به بعض الأمم الّذين قبلكم»[٥].
[٢/ ٢١٣٥] و روى عامر بن سعد بن أبي وقّاص، عن أسامة بن زيد، عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قال: «إنّ هذا الوجع أو السقم رجز عذّب به بعض الأمم قبلكم»[٦].
[١] الصواعق المحرقة: ١٤٠.
[٢] تفسير القاسمي ١: ٢٩٦.
[٣] الرّجز: الأوثان. و هو الذي جاء في قوله تعالى في سورة المدّثر: وَ الرُّجْزَ فَاهْجُرْ.
[٤] البثر: الخراج الصغير.
[٥] رواه أحمد في المسند( ٥: ٢٠٧) مطوّلا بلفظ:« إنّ هذا الوباء رجز أهلك اللّه به الأمم قبلكم، و قد بقي منه في الأرض شيء يجيء أحيانا و يذهب أحيانا. فإذا وقع بأرض فلا تخرجوا منها، و إذا سمعتم به في أرض فلا تأتوها».
[٦] مسلم ٧: ٢٨.