التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٩٢ - سورة البقرة(٢) آية ٩١
هو الذي قد بيّنا أنّه المورث صاحبه ذلّة و هوانا الذي يخلد فيه صاحبه لا ينتقل من هوانه إلى عزّ و كرامة أبدا، و هو الذي خصّ اللّه به أهل الكفر؛ و أمّا الذي هو غير مهين صاحبه: فهو ما كان تمحيصا لصاحبه، و ذلك هو كالسارق من أهل الإسلام يسرق ما يوجب به القطع فتقطع يده، و الزاني منهم يزني فيقام عليه الحدّ، و ما أشبه ذلك من العذاب و النكال الذي جعله اللّه كفّارات للذنوب، و كأهل الكبائر من أهل الإسلام الّذين يعذّبون في الآخرة بمقادير أجرامهم التي ارتكبوها ليمحّصوا من ذنوبهم ثمّ يدخلون الجنة، فإنّ كلّ ذلك و إن كان عذابا فغير مهين لمن عذّب به، إذ كان تعذيب اللّه إيّاه به ليمحّصه من آثامه ثمّ يورده معدن العزّ و الكرامة و يخلده في نعيم الجنان.[١]
*** [٢/ ٢٧١٤] و أخرج ابن أبي حاتم بإسناده عن مقاتل بن حيّان قوله: عَذابٌ مُهِينٌ يعني بالمهين:
الهوان[٢].
[٢/ ٢٧١٥] و أخرج الترمذي و أحمد بالإسناد إلى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه، قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «يحشر المتكبّرون يوم القيامة أمثال الذرّ في صور الناس، يغشاهم الذلّ من كلّ مكان، فيساقون إلى سجن في جهنّم يسمّى «بولس»[٣] تعلوهم نار الأنيار[٤]، يسقون من عصارة أهل النار طينة الخبال». قال أبو عيسى الترمذي: هذا حديث حسن صحيح[٥].[٦]
[٢/ ٢٧١٦] و قال مقاتل بن سليمان: ثمّ قال: وَ إِذا قِيلَ لَهُمْ يعني اليهود منهم أبو ياسر و النعمان بن أوفى آمِنُوا يعني صدّقوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ من القرآن على محمّد قالُوا نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا يعني التوراة وَ يَكْفُرُونَ بِما وَراءَهُ يعني بما بعد التوراة: الإنجيل و الفرقان.[٧]
[١] الطبري ١: ٥٨٦- ٥٨٨.
[٢] ابن أبي حاتم ١: ١٧٤/ ٩١٨.
[٣] هكذا جاء في الحديث اسما خاصّا لموضع في جهنّم. و لعلّه مأخوذ من الإبلاس و هو اليأس من رحمة اللّه. يقال: أبلس إذا يئس من رحمة اللّه. و منه إبليس اسما للشيطان الرجيم. و يقال: أبلس الرجل إذا قلّ خيره، و انكسر و حزن.
[٤] قال ابن الأثير: لم أجده مشروحا. و لكن هكذا يروى فإن صحّت الرواية فيحتمل أن يكون معناه: نار النيران، فجمع على أنيار. و أصلها أنوار، لأنّها من الواو. كما جاء في ريح أرياح و في عيد أعياد و هما من الواو.
[٥] الترمذي ٤: ٦٦- ٦٧/ ٢٦١٠، باب ٤٧ من كتاب صفة القيامة الحديث الثاني.
[٦] و رواه أحمد في المسند ٢: ١٧٩، باختلاف يسير. و هكذا ابن كثير في التفسير ١: ١٣٠.
[٧] تفسير مقاتل ١: ١٢٣.