التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٤٩ - سورة البقرة(٢) الآيات ٦٥ الى ٦٦
و شرّعنا إليها جداول يوم السبت، فتمسك الحياض الحوت إلى يوم الأحد فنصطادها، و فعلوا ذلك فغضب اللّه عليهم لهذا الحرص [الخليع] على الرزق. أو لأنّهم يشغلون بالهمّ يوم السبت بالفكر فيما تحصّل لهم أو لأنّهم تحيّلوا على اعتياض العمل في السبت.
و هذا هو الذي أحسبه؛ لما اقترن به من الاستخفاف و اعتقادهم أنّهم عملوا ما لم تهتد إليه شريعتهم، فعاقبهم اللّه بما ذكره هنا.
قال: و لعلّ تحريم الصيد في يوم السبت ليكون أمنا للدوابّ.
و قوله: فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ، كونوا أمر تكوين، و تكوينهم قردة يحتمل أن يكون بتصيير أجسامهم أجسام قردة مع بقاء الإدراك الإنساني و هذا قول الجمهور.
و يحتمل أن يكون بتصيير عقولهم كعقول القردة، مع بقاء الهيكل الإنساني، و هذا قول مجاهد.
قال: و الثاني أقرب للتاريخ، إذ لم ينقل مسخ في كتب تاريخ العبرانيّين، و لذلك قال الفخر الرازي: ليس قول مجاهد ببعيد جدّا[١] لكنّه خلاف الظاهر، و ليست الآية صريحة في المسخ.
و معنى كونهم قردة أنّهم لمّا لم يتلقّوا الشريعة بفهم مقاصدها و معانيها و أخذوا بصورة الألفاظ، فقد أشبهوا العجماوات في وقوفها عند المحسوسات، فلم يتميّزوا عن البهائم إلّا بالشكل، و هذه القردة تشاركهم في هذا الشّبه. و هذا معنى قول مجاهد: هو مسخ قلوب لا مسخ ذوات[٢].
و قال سيّد قطب: «و ليس من الضروري أن يستحيلوا قردة بأجسامهم، فقد استحالوا إليها بأرواحهم و أفكارهم، و انطباعات الشعور و التفكير تعكس على الوجوه و الملامح سمات تؤثّر في السّحنة و تلقي ظلّها العميق»[٣].
و على أيّة حال فإنّ هذه الحادثة الكارثة مضت عبرة رادعة في وقتها و بعد حين، و بقيت موعظة نافعة لأهل التقوى و اليقين، تتمثّل لهم العبر فيما يأتي من عصور.
*** و بعد فإليك ما ورد من الروايات بهذا الشأن.
[١] التفسير الكبير ٣: ١١١.
[٢] راجع: التحرير و التنوير لابن عاشور ١: ٥٢٦- ٥٢٧.
[٣] في ظلال القرآن ١: ٩٩- ١٠٠.