التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٥٢٦ - سورة البقرة(٢) الآيات ١٠٨ الى ١١٠
قال تعالى:
[سورة البقرة (٢): الآيات ١٠٨ الى ١١٠]
أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْئَلُوا رَسُولَكُمْ كَما سُئِلَ مُوسى مِنْ قَبْلُ وَ مَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمانِ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ (١٠٨) وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَ اصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٠٩) وَ أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَ آتُوا الزَّكاةَ وَ ما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٠)
قلنا: إنّ الخطاب هنا يحمل رائحة التحذير و التذكير، فلا ينخدعوا بأضاليل اليهود أو يستسلموا لوساوسهم، ممّا يبلبل أفكارهم و يشوّش عليهم أذهانهم. و منها الجري على منوالهم في اللجج و الجدل مع الرسول و توجيه أسئلة له لا تنفق. و ما هي إلّا تعنّتات و تملّصات للفرار عن التكليف و العمل الجادّ. يدلّ على ذلك ما جاء في الآية من صريح التحذير و الاستنكار. استنكار لتشبّه بعض المؤمنين بقوم موسى في تعنّتهم، و طلب الخوارق منه، واحدة تلو أخرى لا تنتهي على أيّ حال و إنّما حالة اللجاج و العناد تشتدّ و تتغلّظ كلّما تداوموا عليه و استمرّوا في اللجاج.
و هذا لا ينتهي إلّا إلى حيث مهوى الضلال و الكفر و الجحود.
كما أنّه في النهاية أيضا ينتهي إلى الاستسلام لقيادة اليهود:
وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ.
و الحسد هو ذلك الانفعال النفسي الخسيس الذي فاضت به نفوس اليهود حقدا على المسلمين، و ما زالت تفيض، و هو الذي انبعثت منه دسائسهم و مكائدهم و لا تزال.
و هنا- في اللحظة التي تتجلّى فيها هذه الحقيقة، و تنكشف تلك النيّة السيّئة. هنا يدعو القرآن المؤمنين بالاصطبار و الأخذ بشيمة الوقار فلا يقابلوا الشرّ بالشرّ، بل الصفح هي شيمة الكريم:
فَاعْفُوا وَ اصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ