التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٣١ - ملحوظة
[٢/ ٢٢٨٠] و ذكر أبو جعفر في سبب نزول الآية: أنّها نزلت في أصحاب سلمان الفارسي، و كان سلمان من جندي سابور، و كان من أشرافهم، و كان ابن الملك صديقا له مؤاخيا، لا يقضي واحد منهم أمرا دون صاحبه، و كانا يركبان إلى الصيد جميعا. فبينما هما في الصيد إذ رفع لهما بيت من عباء[١]، فأتياه فإذا هما فيه برجل بين يديه مصحف يقرأ فيه و هو يبكي، فسألاه ما هذا؟ فقال: الذي يريد أن يعلم هذا لا يقف موقفكما، فإن كنتما تريدان أن تعلما ما فيه فانزلا حتّى أعلّمكما، فنزلا إليه، فقال لهما: هذا كتاب جاء من عند اللّه، أمر فيه بطاعته و نهى عن معصيته، فيه: أن لا تزني، و لا تسرق، و لا تأخذ أموال الناس بالباطل. فقصّ عليهما ما فيه، و هو الإنجيل الذي أنزله اللّه على عيسى. فوقع في قلوبهما و تابعاه فأسلما، و قال لهما: إنّ ذبيحة قومكما عليكما حرام، فلم يزالا معه كذلك يتعلّمان منه، حتّى كان عيد للملك، فجعل طعاما، ثمّ جمع الناس و الأشراف، و أرسل إلى ابن الملك فدعاه إلى صنيعه ليأكل مع الناس، فأبى الفتى و قال: إنّي عنك مشغول، فكل أنت و أصحابك، فلمّا أكثر عليه من الرسل، أخبرهم أنّه لا يأكل من طعامهم، فبعث الملك إلى ابنه، فدعاه و قال: ما أمرك هذا؟
قال: إنّا لا نأكل من ذبائحكم، إنّكم كفّار ليس تحلّ ذبائحكم، فقال له الملك: من أمرك بهذا؟ فأخبره أنّ الراهب أمره بذلك، فدعا الراهب فقال: ما ذا يقول ابني؟ قال: صدق ابنك، قال له: لو لا أنّ الدم فينا عظيم لقتلتك، و لكن اخرج من أرضنا! فأجّله أجلا. فقال سلمان: فقمنا نبكي عليه، فقال لهما: إن كنتما صادقين، فإنّا في بيعة بالموصل مع ستّين رجلا نعبد اللّه فيها، فأتونا فيها. فخرج الراهب، و بقي سلمان و ابن الملك؛ فجعل يقول لابن الملك: انطلق بنا، و ابن الملك يقول: نعم، و جعل ابن الملك يبيع متاعه يريد الجهاز. فلمّا أبطأ على سلمان، خرج سلمان حتّى أتاهم، فنزل على صاحبه و هو ربّ البيعة، و كان أهل تلك البيعة من أفضل الرهبان، فكان سلمان معهم يجتهد في العبادة، و يتعب نفسه، فقال له الشيخ: إنّك غلام حدث تتكلّف من العبادة ما لا تطيق، و أنا خائف أن تفتر و تعجز، فارفق بنفسك و خفّف عليها! فقال له سلمان: أ رأيت الذي تأمرني به أ هو أفضل أو الذي أصنع؟ قال:
بل الذي تصنع؟ قال: فخلّ عنّي.
[١] العباء: ضرب من الأكسية فيه خطوط سود كبار، و غالبا يكسى بها أخبية البدو في الصحراء.