التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٠١ - سورة البقرة(٢) آية ٧٤
للّه واجبا، و لا من أموالهم يتصدّقون، و لا يقومون بمعروف، و لا الضيف يقرون، و لا مكروبا يغيثون، و لا بشيء من الإنسانيّة يعاشرون أو يعاملون.
قوله: أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً ليس ترديدا من القائل أو استدراكا، و إنّما هو على طريقة الإبهام على السامع. أي بأيّهما قلت فقد أصبت، فهم بين هذا و ذاك .. و الاستدراك إنّما هو لتدارك الغلط و لا خطأ من العالم الحكيم و هذا كقول أحدهم: لا خير فيهم لا في قليل و لا في كثير.
قوله: وَ إِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ ... بيان لكون قلوبهم أشدّ قسوة.
قال: و هذا الذي وصف اللّه به قلوبهم جاء نظيره في سورة النساء: أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذاً لا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيراً[١].
و ما وصف به الأحجار هنا، جاء نحوه في سورة الحشر: لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ[٢].
قال: و هذا التقريع لليهود و من على شاكلتهم، استغلظه يهود المدينة فأتى رؤساؤهم و ذوو الألسن و البيان منهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و قالوا: يا محمّد! قد هجوتنا و ادّعيت على قلوبنا ما يعلم اللّه خلافه، إنّ في قلوبنا الخير الكثير، نصوم و نتصدّق و نواسي الفقراء!
فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: إنّما الخير ما أريد به وجه اللّه تعالى، و عمل على أمره تعالى. فأمّا الرياء و السمعة و منابذة الرسول و الاستكبار على اللّه فليس بخير، بل هو شرّ محض و وبال على صاحبه، يعذّبه اللّه به أشدّ العذاب.
فقال اليهود: إنّما نريد بذلك منابذتك حسبة للّه تعالى، فيما نعتقده!
فقال رسول اللّه: يا إخوة اليهود إنّ الدعاوى يتساوى فيها المحقّون و المبطلون، و لكن حجج اللّه و دلائله واضحة لائحة تميّز المبطلين عن المحقّين.
قال رسول اللّه: و أنا بسمتي رسول اللّه لا أغتنم جهلكم و لا أكلّفكم التسليم لي بغير حجّة، و لكن
[١] النساء ٤: ٥٣.
[٢] الحشر ٥٩: ٢١.