التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٦٤ - كلام عن المسوخ
قال الإمام الرازي- بشأن رأي مجاهد: إنّه تعالى مسخ قلوبهم بمعنى الطبع و الختم، لا أنّه مسخ صورهم، و هو مثل قوله تعالى: كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً-: ما ذكره مجاهد غير مستبعد جدّا، لأنّ الإنسان إذا أصرّ على جهالته بعد ظهور الآيات و جلاء البيّنات، فقد يقال في العرف الظاهر: إنّه حمار و قرد. و إذا كان هذا المجاز من المجازات الظاهرة المشهورة، لم يكن في المصير إليه محذور البتّة[١].
و قال الإمام الشيخ محمّد عبده: «و حديث المسخ و التحويل و أنّ أولئك قد تحوّلوا من أناس إلى قردة و خنازير، إنّما قصد به التهويل و الإغراب. فاختيار ما قاله مجاهد هو الأوفق بالعبرة و الأجدر بتحريك الفكرة».
قال: و ليس في تفسير الآية حديث مرفوع إلى النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم نصّ فيه على كون ما ذكر مسخا لصورهم و أجسادهم[٢].
و قال في موضع آخر: رووا عن مجاهد أنّه قال: مسخت قلوبهم و لم يمسخوا قردة، و انّما هو مثل ضربه اللّه لهم مثل الحمار يحمل أسفارا.
قال: فالمراد على هذا أنّهم صاروا كالقردة في نزواتها، و الخنازير في اتّباع شهواتها. و قد تقدّم ترجيح هذا القول من جهة المعنى. بعد نقله عن مجاهد من رواية ابن جرير. و لا عبرة بردّ ابن جرير له و ترجيحه لقول المشهور، فذلك اجتهاد منه، و كثيرا يردّ به قول ابن عبّاس و الجمهور.
قال: و ليس قول مجاهد بالبعيد من استعمال اللغة، فمن الفصيح أن تقول: ربّى فلان الملك قومه أو جيشه على الشجاعة و الغزو، فجعل منهم الأسود الضواري، و كان له منهم الذئاب المفترسة[٣].
و قد عرفت كلام ابن عاشور في ترجيح هذا القول و أنّه مسخ قلوب لا مسخ ذوات[٤].
و العمدة أنّه لا صراحة في القرآن في كونه مسخا للصور، بل اللفظ يحتمل الأمرين، و لا ضرورة تدعو على الحمل على ظاهر التعبير بعد احتماله المجاز الشائع في العرف و اللغة كما عرفت.
[١] التفسير الكبير ٣: ١١١.
[٢] المنار ١: ٣٤٥.
[٣] المصدر ٦: ٤٤٨. و راجع: ٧: ٣٧٩.
[٤] التحرير و التنوير ١: ٥٢٧.