التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٠٣ - سورة البقرة(٢) آية ٦١
بالإجراء و التنوين سبيل من قرأ: قَوارِيرَا. قَوارِيرَا مِنْ فِضَّةٍ[١] منوّنة اتباعا منه خطّ المصحف.
و أمّا الذي لم ينوّن مصر فإنّه لا شكّ أنّه عنى مصر التي تعرف بهذا الاسم بعينها دون سائر البلدان غيرها.
و قد اختلف أهل التأويل في ذلك نظير اختلاف القرّاء في قراءته:
[٢/ ٢٢١١] فعن قتادة: اهْبِطُوا مِصْراً أي مصرا من الأمصار فَإِنَّ لَكُمْ ما سَأَلْتُمْ.
[٢/ ٢٢١٢] و عن السدّي: اهْبِطُوا مِصْراً من الأمصار، فَإِنَّ لَكُمْ ما سَأَلْتُمْ فلمّا خرجوا من التيه رفع المنّ و السلوى و أكلوا البقول.
[٢/ ٢٢١٣] و عن مجاهد: اهْبِطُوا مِصْراً قال: مصرا من الأمصار، زعموا أنّهم لم يرجعوا إلى مصر.
[٢/ ٢٢١٤] و عن ابن زيد: اهْبِطُوا مِصْراً قال: مصرا من الأمصار. و مصر لا تجرى في الكلام، فقيل: أيّ مصر؟ فقال: الأرض المقدسة التي كتب اللّه لهم. و قرأ قول اللّه جلّ ثناؤه: ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ[٢].
و قال آخرون: هي مصر التي كان فيها فرعون. ذكر من قال ذلك:
[٢/ ٢٢١٥] روى الربيع، عن أبي العالية في قوله: اهْبِطُوا مِصْراً قال: يعني به مصر فرعون.
قال أبو جعفر: و من حجّة من قال: إنّ اللّه جلّ ثناؤه إنّما عنى بقوله: اهْبِطُوا مِصْراً مصرا من الأمصار دون مصر فرعون بعينها، أنّ اللّه جعل أرض الشام لبني إسرائيل مساكن بعد أن أخرجهم من مصر، و إنّما ابتلاهم بالتيه بامتناعهم على موسى في حرب الجبابرة إذ قال لهم: يا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَ لا تَرْتَدُّوا عَلى أَدْبارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ. قالُوا يا مُوسى إِنَّ فِيها قَوْماً جَبَّارِينَ إلى قوله: إِنَّا لَنْ نَدْخُلَها أَبَداً ما دامُوا فِيها فَاذْهَبْ أَنْتَ وَ رَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ[٣].
فحرّم اللّه جلّ و عزّ على قائل ذلك فيما ذكر لنا دخولها حتّى هلكوا في التيه و ابتلاهم بالتّيهان في الأرض أربعين سنة، ثمّ أهبط ذرّيتهم الشام، فأسكنهم الأرض المقدسة، و جعل هلاك الجبابرة على
[١] الإنسان ٧٦: ١٥ و ١٦، بإثبات الألف في كليهما.
[٢] المائدة ٥: ٢١.
[٣] المائدة ٥: ٢١- ٢٤.