التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٠٤ - سورة البقرة(٢) آية ٦١
أيديهم مع يوشع بن نون بعد وفاة موسى بن عمران. فرأينا اللّه جلّ و عزّ قد أخبر عنهم أنّه كتب لهم الأرض المقدّسة، و لم يخبرنا عنهم أنّه ردّهم إلى مصر بعد إخراجه إيّاهم منها، حتّى يجوز لنا أن نقرأ: اهبطوا مصر، و نتأوّله أنّه ردّهم إليها.
قالوا: فإن احتجّ محتجّ بقول اللّه جلّ ثناؤه: فَأَخْرَجْناهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَ عُيُونٍ. وَ كُنُوزٍ وَ مَقامٍ كَرِيمٍ. كَذلِكَ وَ أَوْرَثْناها بَنِي إِسْرائِيلَ[١]. قيل لهم: فإنّ اللّه جلّ ثناؤه إنّما أورثهم ذلك فملّكهم إيّاها و لم يردّهم إليها، و جعل مساكنهم الشأم.
و أمّا الّذين قالوا: إنّ اللّه إنّما عنى بقوله جلّ و عزّ: اهْبِطُوا مِصْراً مصر، فإنّ من حجّتهم التي احتجّوا بها الآية التي قال فيها: فَأَخْرَجْناهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَ عُيُونٍ. وَ كُنُوزٍ وَ مَقامٍ كَرِيمٍ. كَذلِكَ وَ أَوْرَثْناها بَنِي إِسْرائِيلَ[٢] و قوله: كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَ عُيُونٍ. وَ زُرُوعٍ وَ مَقامٍ كَرِيمٍ. وَ نَعْمَةٍ كانُوا فِيها فاكِهِينَ. كَذلِكَ وَ أَوْرَثْناها قَوْماً آخَرِينَ[٣]. قالوا: فأخبر اللّه جلّ ثناؤه أنّه قد ورّثهم ذلك و جعلها لهم، فلم يكونوا يرثونها ثمّ لا ينتفعون بها. قالوا: و لا يكونون منتفعين بها إلّا بمصير بعضهم إليها، و إلّا فلا وجه للانتفاع بها إن لم يصيروا أو لم يصر بعضهم إليها! قالوا: و أخرى أنّها في قراءة أبيّ بن كعب و عبد اللّه بن مسعود: «اهبطوا مصر» بغير ألف، قالوا: ففي ذلك الدلالة البيّنة أنّها مصر بعينها.
و الذي نقول به في ذلك أنّه لا دلالة في كتاب اللّه على الصواب من هذين التأويلين، و لا خبر به عن الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يقطع مجيئه العذر، و أهل التأويل متنازعون تأويله.
فأولى الأقوال في ذلك عندنا بالصواب أن يقال: إنّ موسى سأل ربّه أن يعطي قومه ما سألوه من نبات الأرض على ما بيّنه اللّه جلّ و عزّ في كتابه و هم في الأرض تائهون، فاستجاب اللّه لموسى دعاءه، و أمره أن يهبط بمن معه من قومه قرارا من الأرض التي تنبت لهم ما سأل لهم من ذلك، إذ كان الذي سألوه لا تنبته إلّا القرى و الأمصار و أنّه قد أعطاهم ذلك إذ صاروا إليه، و جائز أن يكون ذلك القرار مصر، و جائز أن يكون الشام.
فأما القراءة فإنّها بالألف و التنوين: اهْبِطُوا مِصْراً و هي القراءة التي لا يجوز عندي غيرها
[١] الشعراء ٢٦: ٥٧- ٥٩.
[٢] الشعراء ٢٦: ٥٧- ٥٩.
[٣] الدخان ٤٤: ٢٥- ٢٨.