التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٦٤ - سورة البقرة(٢) الآيات ٥٨ الى ٥٩
قوله: وَ قُولُوا حِطَّةٌ. و كذلك الواجب على التأويل الذي رويناه عن الحسن و قتادة في قوله:
وَ قُولُوا حِطَّةٌ أن تكون القراءة في «حطّة» نصبا، لأنّ من شأن العرب إذا وضعوا المصادر مواضع الأفعال و حذفوا الأفعال أن ينصبوا المصادر، كما قال الشاعر:
|
أبيدوا بأيدي عصبة و سيوفهم |
على أمهات الهام ضربا شآميا[١] |
|
و كقول القائل للرجل: سمعا و طاعة، بمعنى: أسمع سمعا و أطيع طاعة، و كما قال جلّ ثناؤه:
مَعاذَ اللَّهِ[٢] بمعنى: نعوذ باللّه[٣].
*** و قال في تأويل قوله تعالى: نَغْفِرْ لَكُمْ:
يعني بقوله: نَغْفِرْ لَكُمْ نتغمّد لكم بالرحمة خطاياكم و نسترها عليكم، فلا نفضحكم بالعقوبة عليها. و أصل الغفر: التغطية و الستر، فكلّ ساتر شيئا فهو غافره. و من ذلك قيل للبيضة من الحديد التي تتّخذ جنّة للرأس «مغفر» لأنّها تغطّي الرأس و تجنّه، و منه غمد السيف، و هو ما يغمده فيواريه؛ و لذلك قيل لزئبر[٤] الثوب «غفر»، لتغطيته العورة، و حئوله بين الناظر و النظر إليها. و منه قول أوس بن حجر:
|
فلا أعتب ابن العمّ إن كان جاهلا |
و أغفر عنه الجهل إن كان أجهلا[٥] |
|
يعني بقوله: و أغفر عنه الجهل: أستر عليه جهله بحلمي عنه.
و قوله تعالى: خَطاياكُمْ و الخطايا جمع خطيّة بغير همز، كما في المطايا جمع مطيّة، و الحشايا جمع خشيّة. و إنّما ترك جمع الخطايا بالهمز، لأنّ ترك الهمز في خطيئة أكثر من الهمز، فجمع على خطايا، على أنّ واحدتها غير مهموزة. و لو كانت الخطايا مجموعة على خطيئة بالهمز لقيل خطائي
[١] البيت للفرزدق في ديوانه، و روايته عنده:« أناخوا بأيدي طاعة و سيوفهم». أناخوا: ذلّوا و انقادوا. و أيدي طاعة: أهل طاعة. و الشآمي: من الشؤم أي ضربة بؤس و شؤم.
[٢] يوسف ١٢: ٢٣ و ٧٩.
[٣] الطبري ١: ٤٢٩- ٤٣٠.
[٤] زئبر الثوب: هو ما يعلو الثوب الجديد من مائه كالذي يعلو القطيفة و الخزّ، و يسمّونه درز الثوب أيضا.
[٥] أجهل: بمعنى جاهل، كما قالوا أوحد بمعنى واحد و أميل بمعنى مائل.