التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٥٠٣ - مسألة الإنساء
عوف: أ لم تجد فيما أنزل علينا: «أن جاهدوا كما جاهدتم أوّل مرّة» فإنّا لا نجدها؟ قال ابن عوف:
اسقطت فيما اسقط من القرآن!
[٢/ ٢٩٤٧] و قال لأبيّ بن كعب: أ و ليس كنّا نقرأ فيما نقرأ من كتاب اللّه: «إنّ انتفاءكم من آبائكم كفر بكم»؟ فقال: بلى. ثمّ قال: أو ليس كنّا نقرأ: «الولد للفراش و للعاهر الحجر» فيما فقدنا من كتاب اللّه؟ فقال أبيّ: بلى!
[٢/ ٢٩٤٨] و من ثمّ كان عبد اللّه بن عمر يقول: لا يقولنّ أحدكم قد أخذت القرآن كلّه، ما يدريه ما كلّه، قد ذهب منه قرآن كثير ...[١].
[٢/ ٢٩٤٩] و قالت عائشة: كانت سورة الأحزاب تقرأ في زمن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم مائتي آية فلمّا كتب عثمان المصاحف لم نقدر منها إلّا ما هو الآن[٢].
و قالت- فيما زعمته قرآنا بشأن الرضعات-: فتوفّي رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و هنّ ممّا يقرأ من القرآن[٣] و أمثال ذلك كثير.
فقد حاول القوم توجيه ذلك كلّه بأنّها ممّا نسيت و ذهب حفظها عن الصدور. ذكر ذلك جلال الدين السيوطي في ذيل قوله تعالى: أَوْ نُنْسِها عطفا على قوله: ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ ...[٤].
و النسخ و الإنساء تعبيران عن معنى واحد، غير أنّ الأوّل يعني رفع الشيء بعد ثبوته في الأعيان، و الثاني ذهابه من الأذهان.
و الآية الكريمة تعريض بأهل الكتاب، كانوا قد حاولوا التشكيك في معتقدات المسلمين: إنّ دين اللّه لا يتبدّل و لا يختلف فلا موضع لدين جديد.
فجاءت الآية ردّا لهذه الشبهة: إنّ المصالح تختلف ما دامت حياة الإنسان في تطوّر مستمرّ، فالشريعة القديمة إذا نسخت بشريعة جديدة، فإنّما هي لمصالح مقتضية، و الكلّ حسب الشرائط الراهنة، علاج نافع أو أتمّ.
و قوله: أَوْ نُنْسِها ... أي ذهبت معالمها عن صفحة الأذهان، بما تقادم عهدها و تمادّت مدّتها، و لم يعد لها ذكر في عالم الوجود.
[١] الدرّ ١: ١٠٦.
[٢] الإتقان ٢: ٤٠- ٤١.
[٣] المحلّى ١٠: ١٤- ١٦.
[٤] البقرة ٢: ١٠٦.