التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٨٦ - سورة البقرة(٢) الآيات ٦٧ الى ٧٣
إسرائيل كان برّا بوالدته، و كان يقوم ثلث الليل يصلّي، و يجلس عند رأس والدته ثلث الليل، فيذكّرها بالتسبيح و التهليل و التكبير و التحميد، و يقول: يا أمّه إن كنت ضعفت عن قيام الليل فكبّري اللّه و سبّحيه و هلّليه، فكان ذلك عملهما الدهر كلّه، فإذا أصبح أتى الجبل فاحتطب على ظهره فيأتي به السوق فيبيعه بما شاء اللّه أن يبيعه، فيتصدّق بثلثه و يبقي لعبادته ثلثا و يعطي الثلث أمّه، و كانت أمّه تأكل النصف و تتصدّق بالنصف، و كان ذلك عملهما الدهر كلّه.
فلمّا طال عليها قالت: يا بنيّ اعلم إنّي قد ورثت من أبيك بقرة و ختمت عنقها، و تركتها في البقر على اسم إله إبراهيم و إسماعيل و إسحاق و يعقوب، قالت و سأبيّن لك ما لونها و هيئتها، فإذا أتيت البقر فادعها باسم إله إبراهيم و إسماعيل و إسحاق و يعقوب فإنّها تفعل كما وعدتني، و قالت: إنّ علامتها ليست بهرمة و لا فتية، غير أنّها بينهما و هي صفراء فاقع لونها تسرّ الناظرين، إذا نظرت إلى جلدها يخيّل اليك أنّ شعاع الشمس يخرج من جلدها، و ليست بالذلول، و لا صعبة تثير الأرض، و لا تسقي الحرث، مسلّمة لا شية فيها و لونها واحد، فإذا رأيتها فخذ بعنقها فإنّها تتبعك بإذن إله إسرائيل.
فانطلق الفتى و حفظ وصيّة والدته، و سار في البرّيّة يومين أو ثلاثا، حتّى إذا كان صبيحة ذلك اليوم انصرف فصاح بها فقال: بإله إبراهيم و إسماعيل و إسحاق و يعقوب إلّا ما أتيتني، فأقبلت البقرة إليه و تركت الرعي، فقامت بين يدي الفتى، فأخذ بعنقها فتكلّمت البقرة و قالت: يا أيّها الفتى البرّ بوالدته اركبني فإنّه أهون عليك. قال الفتى: لم تأمرني والدتي أن أركب عليك و لكنّها أمرتني أن أسوقك سوقا فأحبّ أن أبلغ قولها. فقالت: بإله إسرائيل لو ركبتني ما كنت لتقدر عليّ، فانطلق يا أيّها الفتى البرّ بوالدته، لو أنّك أمرت هذا الجبل أن ينقلع لك من أصله لا نقلع لبرّك بوالدتك و لطاعتك إلهك[١].
فانطلق حتّى إذا كان من مسيرة يوم من منزله استقبله عدوّ اللّه إبليس، فتمثّل له على صورة راع من رعاة البقر، فقال: يا أيّها الفتى من أين جئت بهذه البقرة، أ لا تركبها فإنّي أراك قد أعييت؟ أظنّك لا تملك من الدنيا مالا غير هذه البقرة، فإنّي أعطيك الأجر ينفعك و لا يضرّها، فإنّي رجل من رعاة
[١] العظمة ٥: ١٧٦٥/ ١٢٦٤- ٩٠.