التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٣٨ - حادث نتوق الجبل
قلت: ما أجمل رأيهما بعد احتمال لفظ القرآن ما يترفّع به عن شبهة الإكراه على الدين.
و لا سيّما و الروايات بهذا الشأن ضعاف بأجمعها، فضلا عن مخالفتها لأصول الحكمة في التكليف- على ما نبّهنا- و كما قال السيّد رشيد رضا: إنّ هذا المعنى- على ما جاء في الروايات- اعترض عليه بأنّه إكراه على الإيمان و إلجاء إليه و ذلك ينافي التكليف.
و من الغريب ما ذكره بعضهم: أنّ نفي الإكراه في الدين خاصّ بالإسلام، و ربّما كان مثل هذا الإلجاء جائزا في الأمم السابقة[١].
و أغرب منه نقد جماعة من علماء الأزهر لهذا التأويل، بحجّة أنّه خلاف التعبير بالفوقيّة الظاهرة في المسامتة، لا الارتفاع على جانب.
قالوا: و حيث ظهر فساد هذا التأويل، و أنّ القرآن الكريم نصّ في إفادة الرفع المخصوص- كما قرّره جميع المفسّرين- كان القول بعدمه تكذيبا للقرآن[٢].
و لسيّدنا العلّامة الطباطبائي هنا كلام قد يبدو منه عجيبا، قال: هذا التأويل و صرف الآية عن ظاهرها، و القول بأنّ بني إسرائيل كانوا في أصل الجبل فزلزل و زعزع حتّى أطلّ رأسه عليهم فظنّوا أنّه واقع بهم، فعبّر عنها برفعه فوقهم أو نتقه فوقهم، مبنيّ على أصل إنكار المعجزات و خوارق العادات!![٣]
و قد ردّ عليهم الأستاذ النجّار بأنّ الفوقيّة تحصل مع عدم المسامتة أيضا، بدليل قوله تعالى:
إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَ مِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ[٤] أي جاءوكم من أعلى الوادي و من أسفله و الإضافة هنا كانت لأدنى ملابسة[٥].
و بعد فالنتق عبارة عن النفض، يقال: نتق الجراب أي نفضه بمعنى حرّكه. و نتق الشيء:
زعزعه. رفعه. بسطه. قال الراغب: نتق الشيء: جذبه و نزعه حتّى يسترخي كنتق عرى الحمل. قال تعالى: وَ إِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ.
[١] راجع: المصدر: ٢٢٩.
[٢] المصدر: ٢٣٢.
[٣] الميزان ١: ٢٠٠.
[٤] الأحزاب ٣٣: ١٠. و شواهد أخر ذكرها الأستاذ فراجع.
[٥] قصص الأنبياء: ٢٣٣.