التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٧٣ - سورة البقرة(٢) الآيات ٦٧ الى ٧٣
و في الروايات الإسلاميّة هنا- إن صحّت- ما لعلّه يرشدنا إلى جوانب من هذه القصّة العجيبة و ربما يرفع بعض الإبهام عنها. و سيوافيك.
و إليك شرح الآيات:
لقد قال لهم نبيّهم- الذي هو زعيمهم الذي أنقذهم من الذلّ و حرّرهم من أسر العدوّ-: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً ....
و كان هذا القول بهذه الصيغة يكفي للاستجابة و التنفيذ من غير تلكّع. لكنّهم عن سفاهة و سوء أدب، واجهوه بالهزء فاتّهموه بأنّه يمزح و يسخر منهم، و قالوا: أَ تَتَّخِذُنا هُزُواً؟. و كان ردّ موسى على هذه السفاهة أن يستعيذ باللّه و أن يردّهم برفق، و عن طريق التعريض و التلميح، قال: أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ الأمر الذي لا يليق بساحة الأنبياء، و إنّما هو من صفاقة الجهلاء (أمثال من خاطبوه بهذا الكلام الهجين).
فلو كانوا قد تنبّهوا بهذا التعريض، لكان عليهم أن يقوموا بتنفيذ الأمر، و لكنّهم لسوء تدبّرهم و ضحالة عقولهم، زادوا في تهوّسهم و غلوائهم تجاه فهم الحقّ الصريح!
فقالوا- تعنّتا و استنكارا بموقف الرسول-: ادْعُ لَنا رَبَّكَ فكأنّما هو ربّه وحده لا ربّهم كذلك! و كأنّ المسألة لا تعنيهم هم إنّما تعني موسى و ربّه!
ثمّ إنّهم يطلبون منه أن يدعو ربّه ليبيّن لهم: ما هِيَ؟ و السؤال عن الماهيّة هاهنا- و إن كان المقصود الصفة- إنكار و استهزاء ما هي؟ إنّها بقرة، و قد قال لهم ذلك من أوّل الأمر، بلا تحديد لصفة و لا سمة: بقرة، و كفى!
هنا كذلك يردّهم موسى إلى جادّة الصواب، و لا يجيبهم بانحرافهم في صيغة السؤال كي لا يدخل معهم في جدل شكلي إنّما يجيبهم كما ينبغي أن يجيب المعلّم المربّي، من ابتلاه اللّه بهم من سفهاء منحرفين. يجيبهم عن صفة البقرة: إِنَّها بَقَرَةٌ لا فارِضٌ وَ لا بِكْرٌ عَوانٌ بَيْنَ ذلِكَ.
لا هي عجوز و لا هي شابّة، وسط بين ذا و ذلك ثمّ يعقّب هذا البيان المجمل بنصيحة حازمة:
فَافْعَلُوا ما تُؤْمَرُونَ و لا تتمحّلوا في مراودة الأسئلة و هي تزيد في شدة التكليف بعد إطلاقه!
و هكذا لمح لهم بالأدب الواجب في السؤال و في التلقّي فيبادروا إلى أيّة بقرة لا عجوز