التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٧٢ - سورة البقرة(٢) الآيات ٦٧ الى ٧٣
و الإعنات في المسألة و الإلحاح فيها إمّا للتفصّي من الامتثال و إمّا لبعد فهمهم عن مقاصد الشريعة و قصدهم التوقيف على ما لا قصد إليه.
قد يقال: إنّ هنا تقديما و تأخيرا، فأوّل القصة هو المذكور بقوله تعالى: وَ إِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ فِيها ...، و إنّ قول موسى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً ... ناشئ عن قتل النفس المذكورة .. غير أنّ السياق فكّك بينهما تكريرا للتقريع عليهم في موقفين: موقفهم المستهزئ المستخفّ بموضع نبيّهم الكريم و موقفهم المتلكّئ المتدارئ في جريمة ارتكبوها، فجاءت القصّتان مستقلّتين في سياقتهما: وَ إِذْ قالَ مُوسى ... وَ إِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً ... و إن كانتا متّصلتين متّحدتين، لتكون الأولى تقريعا على الاستهزاء و ترك المسارعة في الامتثال، و الثانية تقريعا على قتل النفس المحرّمة و التدارؤ فيه.
قال الزمخشري: و إنّما قدّمت قصّة الأمر بذبح البقرة، لأنّه لو عمل على عكسه لكانت قصّة واحدة و لذهب الغرض في تكرير التقريع[١].
نعم قد فوجئوا بالأمر بذبح البقرة، من غير سبب معروف لديهم، و ذلك تهييبا بموضع أنبياء اللّه العظام، فيما يوجّهونه من أوامر و تكاليف، فيتميّز المؤمن الخالص الإيمان عن المستسلم المتعنّت الغشوم.
*** و قصّة ذبح البقرة جاءت في سفر التثنية (أ ص ٢١) في غاية الإجمال ممّا أضاع الهدف منها، جاء فيه: «إذا وجد قتيل لا يعلم قاتله، فإنّ أقرب المحلّات إلى موضع القتيل يخرجون بمشايخهم، و ليأتوا بعجلة لم تحرث و لم تجرّ بالنير، و لتكن في واد لم يحرث و لم يزرع و فيه ماء جار فليكسروا عنق العجلة هنالك و يتقدّم الكهنة من بني لاوي و شيوخهم و يغسلون أيديهم على العجلة المذبوحة و يتبرّءون من دم القتيل، فيغفر لهم».
هكذا جاءت قصّة الذبح بإجمال أضاع المقصود و أبهم الغرض من هذا الذبح، أ هو إضاعة ذلك الدم ليذهب باطلا أم هو تعذّر عن معرفة المتّهم، بالقتل؟!
[١] الكشّاف ١: ١٥٤.