التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٧٤ - سورة البقرة(٢) الآيات ٦٧ الى ٧٣
و لا صغيرة، متوسطة السنّ فيذبحوها و يخلّصوا أنفسهم من مآزق التكليف الشاقّ لو تمادوا في الغيّ و اللجاج.
و لكن أنّى يفيد النصح لقوم لجوج، فراحوا يسألون: ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما لَوْنُها؟.
و هنا يتضايق عليهم التكليف- كلّما شدّدوا شدّد اللّه عليهم-: قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ صَفْراءُ فاقِعٌ لَوْنُها تَسُرُّ النَّاظِرِينَ و هكذا ضيّقوا على أنفسهم دائرة الاختيار- و كانوا من الأمر في سعة- فأصبحوا مكلّفين أن يبحثوا، لا عن أيّة بقرة كانت بل عن بقرة متوسطة السنّ صفراء لمعاء صافية زاهية تسرّ الناظرين.
فلو كانوا وقفوا عند ذلك و لم يصرّوا على تعنّتهم الجاهل، لأراحوا أنفسهم من تشديد لاحق آكد و لكن أنّى و طبيعة بني إسرائيل المتلكّئة، تعود لتثير سخط الربّ عليهم أكثر: قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ؟ سؤال عن الواقع المطلوب، و يعتذرون عن هذا السؤال و عن ذلك التلكّؤ بأنّ الأمر أصبح مشتبها لديهم إِنَّ الْبَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا و كأنّما استشعروا لجاجتهم هذه المرّة و قالوا: وَ إِنَّا إِنْ شاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ.
قال موسى: إنّه تعالى يقول: إِنَّها بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَ لا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لا شِيَةَ فِيها.
فمضافا إلى الصفات السابقة تكون بحيث لم تدرّب بعد على الحرث أو السقي، و أن تكون كذلك خالصة اللون لا تشوبها شية (قطع تخالف معظم لونها) ..
و هنا عرفوا أنّ الأمر جدّ لا محيص لهم عنه. و من ثمّ قالوا: الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِ و كأنّهم لم يستيقنوا ذلك من قبل!!
فَذَبَحُوها وَ ما كادُوا يَفْعَلُونَ!! فرضخوا للأمر بعد أن واجهوا الصلابة و القاطعيّة الحاسمة.
*** و عندئذ و بعد تنفيذ الأمر، كشف اللّه لهم عن الغاية التي كانت خافية عليهم لذلك الوقت.
وَ إِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ فِيها وَ اللَّهُ مُخْرِجٌ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ. فَقُلْنا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها كَذلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتى وَ يُرِيكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ.
هذا هو الجانب الثاني للقصّة، و إن شئت قلت: الغاية من عرضها و السياق يتغيّر من الحكاية إلى