التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٧٥ - سورة البقرة(٢) الآيات ٦٧ الى ٧٣
الخطاب و المواجهة:
فقد كشف اللّه لقوم موسى عن الحكمة من ذبح البقرة: لقد كانوا قد قتلوا نفسا منهم؛ ثمّ جعل كلّ فريق يدرأ عن نفسه التهمة و يلحقها بسواه، و لم يكن هناك شاهد؛ فأراد اللّه أن يظهر الحقّ على لسان القتيل ذاته؛ و كان ذبح البقرة وسيلة إلى إحيائه، و ذلك بضربه ببعض من تلك البقرة الذبيح و هكذا كان، فعادت إليه الحياة ليخبر عن قاتله و ليجلوا الريب و الشكوك التي أحاطت بمقتله.
و في هذا دلالة أيضا على قدرة اللّه على إحياء الموتى كَذلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتى وَ يُرِيكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ.
و القصّة كما سردها القرآن، أيضا فيها بعض اللبس: هل القتيل كان تعود إليه الحياة ليعيش حتّى يتوفّاه الموت، أم كانت إعادة حياة مؤقّته للإفشاء بالقاتل فحسب؟![١]
و هل كانت تلك سنّة باقية فيهم فيما إذا تدورئ في قتيل لم يعرف قاتله، نظير إقامة القسامة في شريعة الإسلام لمن لم يعرف قاتله؟ أم كانت قضيّة في واقعة؟
و الظاهر أنّها شرّعت سنّة فيجتمع أطراف التهمة على القتيل، بعد أن تقدّم ذبيحة، فيتحالفوا و تبرأ ذممهم، أو يعترف القاتل حيث قوبل بمشهد القتيل و بمحضر الإله حيث القربان؟!
و لعلّ الأمر في بدئه اقترن بإحياء القتيل- عبرة و آية- فيفشي عن قاتله و بذلك يتحقّق سبب التهمة الموجبة لإقامة القسامة، إذ نفس إفشاء القتيل، سواء قبل موته أم بعده، لا يوجب سوى الاتّهام اللّهم إلّا أن يقال: إنّ الإحياء بعد الموت كانت آية إلهيّة و لا مجال للريب فيما ثبت بإعجاز الأمر الذي اختلف فيه أنظار الفقهاء إذ غاية ما في الباب أنّه يوجب العلم لمن شهد المنظر و منهم القاضي و أثباته، و هل مثل هذا العلم يكفي للحكم في القضاء؟!
نعم إلّا أن يعترف القاتل حيث وجد نفسه تجاه أمر واقع، و حفزه وجدانه على الإقرار و الاعتراف!
[١] جاء في رواية ابن سيرين عن أبي عبيدة السلماني: أنّه تكلّم فقال: قتلني فلان ثمّ عاد ميّتا.( التبيان ١: ٣٠٤).