فقه الحدود و التعزيرات - الموسوي الأردبيلي، السيد عبدالكريم - الصفحة ٣١٩ - الفرع الأول في عفو الإمام عن الحد
الإمام بحقّ حدّ من حدود اللَّه في حقوق المسلمين، فليس على الإمام أن يقيم عليه الحدّ الذي أقرّ به عنده، حتّى يحضر صاحب الحقّ أو وليّه فيطالبه بحقّه. قال: فقال له بعض أصحابنا: يا أبا عبد اللَّه! فما هذه الحدود التي إذا أقرّ بها عند الإمام مرّة واحدة على نفسه أقيم عليه الحدّ فيها؟ فقال: إذا أقرّ على نفسه عند الإمام بسرقة قطعه، فهذا من حقوق اللَّه ...
قال: و أمّا حقوق المسلمين، فإذا أقرّ على نفسه عند الإمام بفرية، لم يحدّه حتّى يحضر صاحب الفرية أو وليّه، و إذا أقرّ بقتل رجل، لم يقتله، حتّى يحضر أولياء المقتول، فيطالبوا بدم صاحبهم.»[١] و أمّا العامّة، فإنّ المسلّم به عندهم أنّه ليس لوليّ الأمر حقّ العفو في جرائم الحدود، و المبحوث عنه عندهم هو سقوط عقوبة الجرائم بالتوبة، بالبيان التالي:
قد اتّفق فقهاءهم على أنّ التوبة تسقط العقوبة المقرّرة لجريمة الحرابة، إذا حدثت التوبة قبل القدرة على المحارب، و ذلك لقوله تعالى: «إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ»[٢].
و لكن اختلفوا في أثر التوبة على ما عدا هذه الجريمة، و لهم في ذلك ثلاث نظريّات:
الأولى: و القائل بها مالك، و أبو حنيفة، و بعض الفقهاء في مذهبي الشافعي و أحمد، و مجمل رأيهم أنّ التوبة لا تسقط العقوبة إلّا في جريمة الحرابة، لأنّ الأصل أنّ التوبة لا تسقط العقوبة، فاللَّه تعالى أمر بجلد الزاني و الزانية فقال: «الزَّانِيَةُ وَ الزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ»[٣]، و قال عزّ شأنه: «وَ السَّارِقُ وَ السَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما»[٤]، فجعل الجلد و القطع عامّاً للتائبين و غير التائبين.
[١]- وسائل الشيعة، الباب ٣٢ من أبواب مقدّمات الحدود، ح ١، ج ٢٨، ص ٥٧.
[٢]- المائدة( ٥): ٣٤.
[٣]- النور( ٢٤): ٢.
[٤]- المائدة( ٥): ٣٨.