فقه الحدود و التعزيرات - الموسوي الأردبيلي، السيد عبدالكريم - الصفحة ٢٤٦ - القول الرابع عدم الجواز مطلقا
أقول: قد بحثنا عن المسألة في أبحاثنا حول القضاء[١]، عند قول المحقّق رحمه الله: «الأولى:
الإمام عليه السلام يقضي بعلمه مطلقاً، و غيره من القضاة يقضي بعلمه في حقوق الناس، و في حقوق اللَّه سبحانه، على قولين؛ أصحّهما القضاء ...»[٢] و رجّحنا هناك جواز الحكم بعلم القاضي مطلقاً؛ لأنّه لو قلنا بعدم جواز القضاء إلّا بالبيّنة، أو الإقرار، للزم تعطيل الأحكام في كثير من الموارد، و ما ذاك إلّا لندرة وجودهما.
و لا يخفى أنّ المراد من العلم هو الاطّلاع الجازم الحاصل بالحسّ أو الحدس القريب من الحسّ، و على هذا فالعلم الحاصل من غير الطرق العاديّة، مثل الإلهام و الكشف، أو الرمل و الجفر و غيرها، لا يمكن الاستناد إليه.
نعم، يمكن أن يستثنى من ذلك، العلم الحاصل للقاضي بالجرائم الأخلاقيّة الجنسيّة نظير الزنا، و اللواط، و المساحقة؛ و ذلك لما يظهر من إمعان النظر في بعض الأحاديث الواردة في مواردها.
و من جملة ذلك ما رواه صالح بن ميثم عن أبيه، قال: «أتت امرأة مُجِحّ[٣] أمير المؤمنين عليه السلام، فقالت: يا أمير المؤمنين! إنّي زنيت فطهّرني طهّرك اللَّه، فإنّ عذاب الدنيا أيسر من عذاب الآخرة الذي لا ينقطع. فقال لها: ممّا أطهّرك؟ فقالت: إنّي زنيت. فقال لها:
و ذات بعل أنت إذ فعلت ما فعلت أم غير ذلك؟ قالت: بل ذات بعل. فقال لها: أ فحاضراً كان بعلك إذ فعلت ما فعلت أم غائباً كان عنك؟ قالت: بل حاضراً. فقال لها: انطلقي فضعي ما في بطنك، ثمّ ائتني أطهّرك. فلمّا ولّت عنه المرأة، فصارت حيث لا تسمع كلامه، قال: اللهمّ إنّها شهادة، فلم تلبث أن أتته، فقالت: قد وضعت فطهّرني. قال: فتجاهل عليها فقال:
أطهّرك يا أمة اللَّه ممّا ذا؟ قالت: إنّي زنيت فطهّرني. قال: و ذات بعل أنت إذ فعلت ما فعلت؟
[١]- راجع: فقه القضاء، ج ١، صص ٢٩٠- ٣٠٧.
[٢]- شرائع الإسلام، ج ٤، ص ٦٧.
[٣]- امرأة مُجِحّ: التي حملت، و عظم بطنها، و قربت ولادتها.