إحقاق الحق و إزهاق الباطل - التستري، القاضي نور الله - الصفحة ٤٩٣ - أقول القاضى نور الله
فبعد تواتر الحديث كما اعترف به أكابر أهل السنة و وضوح حجّته و صراحة مدلوله على ما قرّرنا و فهمه فصحاء قريش يكون ارتكاب القدح و المنع عليه أو تأويله على وجه ينقبض عنه العقل السليم ناشيا عن اعوجاج الفطرة و سوء الاستعداد و التّورّط في العصبيّة و العناد، و لو كان باعث إتيان النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بتلك الخطبة في ذلك الزمان و المكان خوف افتراق قبائل العرب كما زعمه النّاصب الشقي دون نزول الوحى بالأمر الفوري كما ترويه الشّيعة عن أئمتهم عليهم السّلام لكان النبي قرّر في نفسه قبل الوصول إلى ذلك المقام قراءة تلك الخطبة عند اجتماع الناس في ذلك اليوم و لكان الظاهر حينئذ أن يأتي به في صباح ذلك اليوم لا في حرّ الظهر و أثناء الارتحال، بل كان الظاهر على ذلك التّقدير أن يخطب به في أيّام الحجّ حتّى يسمعه كلّ من حضرها لظهور أنّ جميع من حضر الحجّ من العرب و غيرهم لم يصحبوا النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم من مكّة إلى غدير خم، بل بعضهم بقي في مكّة و من كان من أهل اليمن و باقي جزيرة العرب عادوا من مكّة إليهما، فظهر أنّ الاعلام بذلك في ذلك الزّمان و المكان لم يكن من عند النبيّ و لا لأجل ما علّله النّاصب به، و إنّما كان بالوحي الإلهي و لأجل أنّ مقاساة المشقة عند استماع مضمون الخطبة في ذلك الزمان و المكان كان أدعى إلى عدم نسيانه كما قيل: إنّ في الكسبيّات اعتمال [١] قلما تنسى، و لأنّ ذلك أدلّ على كون ذلك مقتضى الحكم الإلهي دون اجتهاد النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم كما جوزه القوم عليه إلى غير ذلك من الحكم الظاهرة و الآيات الباهرة و مما يدل على ذلك دلالة صريحة أنّ إبلاغ محبّة أهل البيت و نصرتهم و نحو ذلك ممّا احتمله النّاصب بعد ما سبق إبلاغهما منه عليه السّلام مكرّرا لا يوجب التأكيد و المبالغة من اللّه تعالى في ذلك بحيث يخاطب نبيّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بأنّه إذا لم يفعل ذلك كان كمن لم يبلغ شيئا من أحكامه تعالى، فتعيّن أن يكون المراد بالابلاغ إبلاغ حكم يتحقّق بإبلاغه
[١] الاعتمال: الممارسة في العمل و التمرن به.