إحقاق الحق و إزهاق الباطل - التستري، القاضي نور الله - الصفحة ٦٦ - قال المصنف رفع الله درجته
على يد الكاذب، و متى لم يقطع بامتناع ذلك انسدّ علينا باب إثبات الفرق بين النبيّ و المتنبي، و أيضا إذا جاز أن يخلق اللّه تعالى القبائح جاز أن يكذب في إخباره، فلا يوثق بوعده و وعيده و إخباره عن أحكام الآخرة و الأحوال الماضية و القرون الخالية، و أيضا يلزم من خلقه القبائح أن يدعو إليها، و أن يبعث عليها و يحثّ و يرغب فيها، و لو جاز ذلك جاز أن يكون ما رغب اللّه تعالى فيه من القبائح، فتزول الثقة بالشرائع و يقبح التّشاغل بها، و أيضا لو جاز منه تعالى أن يخلق في العبد الكفر و الضلال و يزيّنه له و يصدّه عن الحقّ و يستدرجه [١] بذلك إلى عقابه، للزم في دين الإسلام جواز أن يكون هو الكفر و الضلال، مع أنه تعالى زينه في قلوبنا، و أن يكون بعض الملل المتخالفة للإسلام هو الحقّ، و لكنّ اللّه تعالى صدّنا عنهم، و زيّن خلافه في أعيينا، فإذا جوّزوا ذلك لزمهم تجويز كون ما هم عليه هو من الضلالة و الكفر، و كون ما خصمهم عليه هو الحقّ، و إذا لم يمكنهم القطع بأنّ ما هم عليه هو الحقّ، و ما خصومهم عليه هو الباطل لم يكونوا مستحقّين للجواب «انتهى».
[١] يقال: استدرجه، أى أمهله و افتتن،
روى في البحار عن مشكاة الأنوار بسنده الى سنان بن طريف، قال: قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام: خشيت أن أكون مستدرجا قال: و لم؟
قلت: لأني دعوت اللّه تعالى أن يرزقني دارا فرزقني و دعوت اللّه أن يرزقني ألف درهم فرزقني، و دعوته أن يرزقني خادما فرزقني خادما، قال: فأي شيء تقول، قال:
أقول: الحمد للّه، قال: فما أعطيت أفضل مما أعطيت، الخبر، و قال مولانا أمير المؤمنين في نهج البلاغة يا ابن آدم إذا رأيت ربك سبحانه يتابع عليك نعمه و أنت تعصيه فاحذره، و قال: أيها الناس ليراكم اللّه من النعمة و جلين، كما يراكم من النقمة فرقين، انه من وسع عليه في ذات يده فلم ير ذلك استدراجا فقد أمن مخوفا، و من ضيق عليه في ذات يده فلم ير ذلك اختبارا فقد ضيع مأمولا
، انتهى.
فراجع كتب الأحاديث في مسألتى الاستدراج و التمحيص، و لتقفن هناك على فوائد جمة.