إحقاق الحق و إزهاق الباطل - التستري، القاضي نور الله - الصفحة ١٩ - قال الناصب خفضه الله
فانّ كلّ عاقل يحكم بحسن مدح من يفعل الطاعات دائما، و لا يفعل شيئا من المعاصي و يبالغ في الإحسان إلى النّاس، و يبذل الخير لكلّ أحد، و يعين الملهوف و يساعد الضعيف، و أنّه يقبح ذمّه، و لو شرع أحد في ذمّه باعتبار إحسانه عدّه العقلاء سفيها، و لامه كل أحد، و يحكمون حكما ضروريا بقبح مدح من يبالغ في الظلم و الجور و التّعدي و الغصب و نهب الأموال و قتل الأنفس، و يمتنع من فعل الخير و إن قلّ، و أنّ من مدحه على هذه الأفعال عدّ سفيها و لامه كلّ عاقل و يعلم ضرورة قبح المدح و الذمّ على كونه طويلا أو قصيرا، أو كون السّماء فوقه، و الأرض تحته، و إنّما يحسن هذا المدح و الذمّ أن لو كانا صادرين عن العبد فانّه لو لم يصدر عنه لم يحسن توجّه المدح و الذمّ إليه، و الأشاعرة لم يحكموا بحسن هذا المدح و الذم فلم يحكموا بحسن مدح اللّه تعالى على إنعامه و لا الثناء عليه و لا الشّكر له، و لا بقبح ذمّ إبليس و سائر الكفّار و الظلمة المبالغين في الظلم، بل جعلوهما متساويين في استحقاق المدح و الذمّ، فليعرض العاقل المنصف من نفسه هذه القضية على عقله و يتبع ما يقوده عقله إليه، و يرفض تقليد من يخطئ في ذلك، و يعتقد ضدّ الصّواب، فانّه لا يقبل منه غدا يوم الحساب و ليحذر من إدخال نفسه في زمر الذين قال اللّه تعالى عنهم:وَ إِذْ يَتَحاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيباً مِنَ النَّارِ [١] «انتهى».
قال النّاصب خفضه اللّه
أقول: حاصل ما ذكره في هذا الفصل: أنّ المدح و الذمّ يتوجهان إلى الأمور الاختياريّة، و يحسن مدح المحسن و يقبح ذمّه، و يقبح مدح المسيء و يحسن ذمه و لو لا أن تكون الأفعال باختيار الفاعل و قدرته لما كان فرق بين الأعمال الحسنة
[١] مؤمن. الآية ٥٠.