إحقاق الحق و إزهاق الباطل - التستري، القاضي نور الله - الصفحة ٢٠٣ - قال الناصب خفضه الله
الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَ الْفَواحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ واسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَ إِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى [١] دلّت الآية على أنّ مجتنب الكبيرة و الفاحشة معفوّ عنه ما صدر من الصّغائر عنه، و في الآية إشارة إلى أنّ الإنسان لما خلق من الأرض و نشأ منها فلا يخلو عن الكدورات الترابيّة التّي تقتضي الذّنب و الغفلة فكان بعض الذنوب يصدر بحسب مقتضى الطبع، و لمّا لم يكن خلاف ملكة العصمة فلا مؤاخذة به، و أما العصمة عند الحكماء فهي ملكة تمنع الفجور، و تحصل هذه ابتداء بالعلم بمثالب [٢] المعاصي و مناقب الطاعات و تتأكّد في الأنبياء بتتابع الوحى إليهم بالأوامر الدّاعية إلى ما ينبغي و النّواهي الزّاجرة عمّا لا ينبغي، و لا اعتراض على ما يصدر عنهم من الصّغائر سهوا أو عمدا عند من يجوّز تعمّدها من ترك الاولى و الأفضل، فانّها لا تمنع العصمة التي هي الملكة [٣] فانّ الصّفات النّفسانيّة تكون في ابتداء حصولها أحوالا [٤] ثمّ تصير ملكات بالتدريج ثمّ إنّ الأنبياء مكلفون بترك الذّنوب مثابون به، و لو كان الذّنب ممتنعا عنهم لما كان الأمر كذلك إذ لا تكليف بترك الممتنع و لا ثواب عليه، و أيضا فقوله:قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَ [٥] يدلّ على مماثلتهم لسائر النّاس فيما يرجع إلى البشريّة و الامتياز بالوحي لا غير، فلا يمتنع صدور الذّنب عنهم كما في سائر البشر هذا حقيقة مذهب الأشاعرة، و من
[١] النجم. الآية ٣٢.
[٢] المثالب جمع المثلبة. العيب.
[٣] كيفية نفسانية راسخة حاصلة من كثرة الممارسة بشيء، و مزيلها المداومة على خلافها، و لها انقسامات باعتبارات ليس المجال متسعا لذكرها.
[٤] الحال كيفية نفسانية غير راسخة. و لها أيضا انقسامات كما يظهر لمن راجع كتب الفلسفة و الكلام.
[٥] الكهف. الآية ١١٠،