إحقاق الحق و إزهاق الباطل - التستري، القاضي نور الله - الصفحة ٥ - قال الناصب خفضه الله
قال النّاصب خفضه اللّه
أقول: مذهب الأشاعرة أنّ أفعال العباد الاختياريّة واقعة بقدرة اللّه وحدها، و ليس لقدرتهم تأثير فيها، بل اللّه سبحانه أجرى عادته بأنّه يوجد في العبد قدرةّ و اختيارا فإذا لم يكن هناك مانع، أوجد فيه فعله المقدور مقارنا لهما، فيكون فعل العبد مخلوقا للّه تعالى إبداعا و إحداثا و مكسوبا للعبد، و المراد بكسبه إيّاه مقارنته لقدرته و إرادته من غير أن يكون هناك منه تأثير أو مدخل في وجوده سوى كونه محلّا له، و هذا مذهب الشيخ أبي الحسن الأشعري [١]، فأفعال العباد الاختيارية على مذهبه تكون مخلوقة للّه تعالى مفعولة للعبد، فالعبد فاعل و كاسب، و اللّه خالق و مبدع، هذا حقيقة مذهبهم، و لا يذهب على المتعلّم أنّهم ما نفوا نسبة الفعل و الكسب عن العبد، حتّى يكون الخلاف في أنّه فاعل أولا، كما صدّر الفصل بقوله: إنّا فاعلون، و اعترض الاعتراضات عليه، فنحن أيضا نقول: إنّا فاعلون، و لكن هذا الفعل الذي اتّصفنا به، هل هو مخلوق لنا أو خلق اللّه فينا و أوجده مقارنا لقدرتنا و اختيارنا؟ و هذا شيء لا يستبعده العقل، فانّ الأسود هو الموصوف بالسّواد، و السّواد مخلوق للّه تعالى، فلم لا يجوز أن يكون العبد فاعلا و يكون الفعل مخلوقا للّه؟! و دليل الأشاعرة أنّ فعل العبد ممكن في نفسه، و كلّ ممكن مقدور للّه، لشمول قدرته كما ثبت في محلّه [٢]، و لا شيء ممّا هو مقدور للّه بواقع بقدرة العبد لامتناع اجتماع قدرتين مؤثّرتين على مقدور واحد لما هو ثابت في محلّه، و هذا دليل لو تأمّله المتأمّل يعلم أنّ المدّعى حقّ صريح، و لا شكّ أنّ الممكن إذا صادفته القدرة القديمة المستقلّة توجده، و لا مجال للقدرة الحادثة، و المعتزلة اضطرّتهم الشّبهة إلى اختيار مذهب رديّ،
[١] قد سبقت ترجمته في تعاليق ص ١١٨ من الجزء الاول و في غيرها أيضا.
[٢] قد سبق في مبحث القدرة (ج ١ ص ١٦٣).