إحقاق الحق و إزهاق الباطل - التستري، القاضي نور الله - الصفحة ١٧٨ - أقول القاضى نور الله
عادة اللّه تعالى لا أنّه يجب على اللّه تعالى إثابة المكلف المطيع، لأنّه لا يجب عليه شيء، بل جرى عادة اللّه تعالى بإعطاء الثواب عقيب العمل الصّالح، و ليس للمكلفين على اللّه دين يجب عليه قضاءه، و لو كان الأمر كذلك للزم أن تكون العباد متاجرين [١] معاملين مع اللّه كالاجراء الذين يأخذون أجرتهم عند الفراغ من العمل و لو لم يعط الموجر أجرتهم لكان ظالما و جائرا، و هذا مذهب باطل لا يذهب إليه من يعرف نعم اللّه تعالى على عباده و يعرف علوّ الشّان الإلهي، و أنّ النّاس كلهم عبيد له، يعطي من يشاء و يمنع من يشاء، و ليس لهم عليه حق و لا استحقاق بل الثّواب بفضله و جرى عادته أن يعطي العبد المطيع عقيب طاعته كما جرى عادته بإعطاء الشبع عقيب أكل الخبز، و هل يحسن أن يقال: إذا لم يجب على اللّه تعالى إعطاء الشّبع عقيب أكل الخبز يموت الناس من الجوع؟ كذلك لا يحسن أن يقال لو لم يجب على اللّه تعالى إثابة المطيع و جزاء العاصي لارتفع الفرق بين المطيع و العاصي، و لكان فعل الخيرات و إثارة المبرّات ضائعا عبثا لأنّا نقول: جرت عادة اللّه التي لا تتخلّف إلّا بسبيل الخرق على إعطاء الثواب للمطيع من غير أن يجب عليه شيء، فلم يرتفع الفرق بين المطيع و العاصي كما جرى عادته بإعطاء الشبع عقيب أكل الخبز، فهل يكون من أكل الخبز فشبع كمن ترك أكل الخبز فجاع؟ «انتهى».
أقول [القاضى نور اللّه]
قد بيّنا سابقا انهدام البناء على العادة، فلا حاجة إلى الاعادة، و كذا سبق الكلام في أنّ الوجوب الذي يدّعيه أهل العدل ليس معناه ما زعمته الأشاعرة، و إنّما المعنى به ما يحكم به صحيح العقل و يؤيده صريح النّقل، و منه قوله تعالى:
[١] متاجرين جمع متاجر من تاجر يتاجر و في بعض النسخ المخطوطة تاجرين.