إحقاق الحق و إزهاق الباطل - التستري، القاضي نور الله - الصفحة ٥٧٢
أحد أنّ الإذهاب لا يكون إلا بعد الثبوت، فقوله تعالى:لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ، يكون دالا على أنّه كان ثابتا فيهم، لأنّ هذا مدفوع بأنّ مبنى هذا القول على التخيّل الذهني
هذه الآية دلالة نقض ما يقوله المعتزلة من أن اللّه تعالى قد أراد أن يطهر الخلق كلهم الكافر و المسلم و أراد أن يذهب الرجس عنهم جميعا. لكن الكافر حيث أراد أن لا يطهّر نفسه و لا يذهب عنه الرجس لم يطهر، فلو كان على ما يقولون لم يكن لتخصيص هؤلاء عن التطهير و رفع الرجس عنهم فائدة و لا منة، فدل على أنه انما يطهر من علم منه اختياره الطهارة و ترك الرجس، و أما من علم منه اختيار الرجس فلا يحتمل أن يذهب منه الرجس أو يريد منه غير ما يعلم أنه يختار، و أن التطهير لمن يكون، انما يكون باللّه لا بما يقوله المعتزلة حيث قال:وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً؛ إذ على قولهم لا يملك هو تطهير من أراد تطهيره، إذ لم يبق عنده ما يطهرهم، فذلك كله ينقض عليهم أقوالهم و مذاهبهم (انتهى) و وجه الدفع ظاهر، و أيضا مدفوع بأن الإرادة للعامة التي أثبتها المعتزلة للّه تعالى في تطهير كل الخلائق هو إرادته ذلك مقرونا باختيار الخلق لا الإرادة الاجبارية المدلول عليها بقوله تعالى:فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ*، و نحوها من الآيات فوجه التخصيص ظاهر و فائدته ظاهرة و المنة فيه أوضح و للّه الحمد و المنة. و اما ما ذكره من أن التطهير انما يكون باللّه لا بما يقوله المعتزلة إلخ ففيه أنا نسأل عنه و نقول له: ما تريد أيها الماتريدي بما يقوله المعتزلة هاهنا و لم يسمع أحد منهم القول: بأن التطهير و فعل العصمة صادر عن غير اللّه بل عدوهم ذلك من الألطاف و فسروها بأنها لطف يفعل اللّه بالمكلف لا يكون معه داع الى ترك الطاعة و فعل المعصية مع إمكان وجوده صريح في اعتقادهم أنه فعل اللّه تعالى فظهر أن إتيانه بهذه النقوض المنقوضة الواهية علامة حرمانه من ألطاف اللّه تعالى تأمل تقر بنفحات لطفه سبحانه (منه قده).