إحقاق الحق و إزهاق الباطل - التستري، القاضي نور الله - الصفحة ٢١٢ - أقول القاضى نور الله
لا يدفع النفرة عن صاحبه و فتور الاعتقاد فيه، فيسقط محلّه و رتبته عند العوام، فلا ينقادون إلى إطاعته، فتنتفي فائدة البعثة كما سيأتي في كلام المصنف، و اما تاسعا فلأنّ في قوله: و في الآية إشارة إلى أنّ الإنسان لمّا خلق من الأرض إلخ، كلام سنشير إليه إن شاء اللّه تعالى عن قريب، و اما عاشرا فلان قوله: و لمّا لم يكن خلاف ملكة العصمة فلا مؤاخذة فيه، فيه مؤاخذتان ظاهرتان، إحداهما أنّ الاعتبار بمخالفة ملكة العصمة و عدمها غير مفهوم من صريح القرآن و لا من إشارته، بل هو صريح البطلان، و كيف يقول عاقل: إنّ صدور الذنب لا ينافي ملكة العصمة و ثانيتهما أن العصمة بمعنى الملكة من اصطلاحات الحكماء، فعدم مخالفتها بذلك المعنى لا تصير حجة على العدلية كما سنوضحه عن قريب إن شاء اللّه تعالى، و اما الحادي عشر فلأنّ قوله: و أما العصمة عند الحكماء إلخ، لغو من الكلام كما أشرنا إليه، أو رجوع عما أنكره سابقا من الاستناد بكلام الفلاسفة و لحس فضلاتهم، و بالجملة تشبثه بكلام الحكماء هاهنا دون كلام إحدى الطائفتين من المسلمين تلبيس و تمويه لا يخفى على المتأمل، فانه لمّا رأى أن صدور الصغائر عن الأنبياء مخالف للعصمة بمعنى عدم خلق اللّه فيهم ذنبا كما ذهب الأشاعرة، و كذا بمعنى اللّطف الذي يفعله اللّه فيهم بحيث لا يصدر عنهم ذنب و لا يبلغ إلى حدّ الإلجاء كما ذهب إليه أهل العدل، خلط المبحث و عدل إلى التشبّث بمذهب الفلاسفة، و مع ذلك لا يسمن و لا يغني من جوع كما ستطلع عليه، و اما الثاني عشر فلأنّ قوله: و لا اعتراض على ما يصدر عنهم من الصغائر سهوا أو عمدا عند من يجوز تعمّدها من ترك الأولى و الأفضل، فيه خلط و خبط [١] لا يخفى، لأنّ خلاف الأفضل و الأولى لا يسمّى صغيرة حقيقة و لا يعدّ من الذنوب التي وقع النزاع في نفيها و إثباتها، و اما ما هو صغائر حقيقة سيّما إذا وقع عمدا فهو في معرض الاعتراض، بل الاعراض عنهم أيضا، قوله: فانّها لا تمنع العصمة التي
[١] الخلط: المزج. و الخبط: التصرف في الأمور عن غير بصيرة.