إحقاق الحق و إزهاق الباطل - التستري، القاضي نور الله - الصفحة ٢٨١ - أقول القاضى نور الله
و في تفسير النيسابوري أنّ بعضهم حمل الفاحشة على الزّنا و خصّص من يحب شيوع الفاحشة بعبد اللّه بن أوفي، فعلى هذا لا ترتبط الآية بما نقله القوم أيضا فضلا عن المصنّف قدّس سرّه، و اما ما ذكره من أنّ المصنّف أساء الأدب بذكر تلك القبائح و المعايب عند ذكر الأنبياء عليهم السّلام فهذا أيضا من بركة البرامكة، [١] فانّ الأشاعرة و هم الذين قالوا: بجواز صدور الفواحش عنهم، فيلزم النّاقل لكلامهم ما لزمهم من المقارنة في الذّكر و نقل الكفر ليس بكفر بالاتّفاق، و أيضا كثيرا ما يفرض الحكماء و المتكلمون عند الاستدلال على وجود الواجب أو على وحدته: مثلا عدمه أو تعدده المستلزم لكفر قائله أو شركه، و لم يتوجّه عليهم إلى الآن مؤاخذة عن عاقل فضلا عن فاضل بأنّ ذلك إساءة أدب أو كفر أو شرك، فكذا فيما أتى به المصنّف هاهنا لاتّحاد أسلوب الكلامين، و إنّما الذي حمل النّاصب على هذا التشنيع عجزه عن الجواب أو انحرافه عن سمت الحق و الصّواب، كما حكى [٢] أنّ رجلا رأى فقيها ناقصا كالنّاصب في مسجد فسأله عن مسألة من مسائل الحيض أو الاستحاضة و لما رأى الفقيه أنّه عاجز عن جواب مسألته اضطرب و قال ساخطا عليه، اخرج هذه القاذورات من بيت اللّه و موّه عليه جهل نفسه، فلينظر أولياء النّاصب أنّ هذه
[١] هي من الأمثال المولدة قالها رجل من الشعراء و الوافدين لما أعطاه الرشيد العباسي مالا جزيلا فقال بدل ان يشكر للمنعم: و هذا من بركة البرامكة فصارت الكلمة مثلا شايعا سائرا يضرب به في من لم يشكر لمنعمه بل شكر غيره و أسند النعمة اليه و هذه الصفة مذمومة من جهة و غير مذمومة من أخرى كما لا يخفى.
[٢] و نظيره ما يحكى من أنه سأل سائل عن فلسفي متوغل في الحكمة غير عالم بالفقه عن مقدار النزح لو وقع غراب في البئر و مات، فلما رأى المسئول عنه عجزه عن الجواب الفقهي أجاب لا وقع لسؤالك لان الغراب طائر لا يقع في البئر، لأنه يضرب به المثل في الحذاقة و الكياسة و الحذر.