إحقاق الحق و إزهاق الباطل - التستري، القاضي نور الله - الصفحة ٢٧٢ - أقول القاضى نور الله
و الإكثار من الصّغائر حتّى يصير سببا لحطّ منزلتهم عند النّاس و موجبا للإيذاء و التعنيف و ترجيح الامّة عليه، و أمّا صدور الصغائر التي عفا اللّه عنها إذا كان على سبيل الندرة فغير ممتنع، و لا تدلّ المعجزة على وجوب انتفاء شيء منها عنهم، و كلّ هذه الدّلائل قد ذكرناها فيما سلف و أنّ الأشاعرة ذكروها على سبيل الاستدلال على من يقول بجواز الكبائر، و قد قدمنا أنّ بعض تلك الأدلة يدلّ على وجوب نفي الذنب عن الأنبياء مطلقا و اللّه تعالى أعلم انتهى.
أقول [القاضى نور اللّه]
ما ذكره النّاصب هاهنا يدلّ على بهته و اضطرابه و اشتباه حقيقة مذهبه عليه و نسيانه لما ذكره سابقا، فإنّه لم يقل سابقا، إنّ هذه الدلائل حجّة على من قال: بجواز صدور الكبائر عن الأنبياء، و لو اعترف بذلك فقد تمّ لنا الدست [١] و قامت الحجة عليه و على أصحابه، لأنّ النزاع بين الفريقين إنّما كان في أنّ المخلّ بالنبوّة و المانع من امتثال أمر الأنبياء هل هو وقوع الكبائر و الصغائر أو جواز وقوعهما؟
فالاشاعرة كانوا يقولون: إنّ مجرّد الجواز لا يخلّ بذلك، و الامامية كانوا قائلين باخلاله، و بالجملة الأشاعرة قائلون بجواز وقوع الكبائر عنهم، غاية الأمر أنّهم يقولون: إنّ العقل و السمع دلّ على عدم وقوع بعض الكبائر المخل بالمعجزة كالكذب، و كيف ينكر هذا؟ و عنوان أدلته ثمة صريحة فيه حيث قال: الأول أنه إن صدر عنهم الكذب إلخ و الثاني أنّهم لو أذنبوا إلخ و الثالث أنّه إن صدر عنهم ذنب إلخ و حاصل اللّوازم التي ذكرها المصنّف إذا افرغ في قالب الدليل يصير أنه لو جاز صدور الذنب عنهم لكان كذا، و لو جاز وقوع الكبائر عنهم لكان كذا، و الفرق بين العنوانين لفظا و معنى ظاهر جدّا، و ايضا قد سبق منّا أيضا أن هذه اللّوازم التي
[١] الحيلة و الخديعة و التمكن. (ج ١٧)