إحقاق الحق و إزهاق الباطل - التستري، القاضي نور الله - الصفحة ١٢٨ - أقول القاضى نور الله
لم تكن نفسها إرادية و لا يلزم التسلسل المحال، و أما ما ذكره من أنّ الممكن إذا تعلّقت به القدرة و الإرادة و حصل الترجيح تقدّم الإرادة القديمة الدّائمة الالهيّة إلخ فمن قبيل الرّجم بالغيب و الرّمي في الظلام و مخالف لبديهة عقلاء الأنام، و أيضا يدلّ ذلك على أنّ إرادة اللّه تعالى اختياره لفعل من الأفعال فجاز أن يتقدّم على فعل العبد و ليس كذلك، لأنّك قد عرفت فيما سبق أنّ إرادته تعالى عبارة عن العلم بما في الفعل من المصلحة، فلا معنى لقوله بقدم الإرادة القديمة إلى إيجاد الفعل، و بهذا تندفع شبهة أخرى لهم في هذا المقام، و هو أنّه لو أراد الايمان من الكافر و الطاعة من العاصي و قد صدر الكفر من الكافر و المعصية من العاصي لزم أن لا يحصل مراد الكافر و العاصي، فيلزم أن يكون اللّه تعالى مغلوبا و الكافر و العاصي غالبين عليه، بل يلزم أن يكون أكثر ما يقع من عباده خلاف مراده، و الظاهر أنّه لا يصبر على ذلك رئيس قربة من عباده انتهى و وجه الدفع أنّه إذا كان إرادته تعالى عبارة عن العلم بما في الفعل من المصلحة فلو علم اللّه أنّ في الفعل الفلاني مصلحة و لم يختر العبد ذلك الفعل بل اختار نقيضه لم يلزم قدح مغلوبيّته و لا نقصه، إذ ليس بين علمه تعالى بالمصلحة في الفعل و بين عدم اختيار العبد إيّاه تنافي و تعارض حتى يلزم هناك المغلوبيّة، نعم لو اختاره تعالى و اختار العبد نقيضه و حصل مختار العبد دون مختاره تعالى للزم المغلوبية، لكن ما نحن فيه ليس من هذا القبيل، و أما ما ذكره من أنّ الغالب في القرآن ذكر الكسب عند إرادة ترتّب الجزاء و الثّواب و العقاب على فعل العبد فمدخول بأنّه كيف يحمل الكسب الواقع في القرآن على المعنى الذي ذكره الأشاعرة مع أنه لم يجيء في اللّغة التي نزل بها القرآن بشيء من المعاني التي ذكروها له، و إنّما ذلك اختراع منهم من عند أنفسهم فرارا عن الجبر المحض كما مرّ، و لهذا قيل: إنّ هرب الأشعري من الجبر المحض إلى الكسب