إحقاق الحق و إزهاق الباطل - التستري، القاضي نور الله - الصفحة ١٣٩ - قال الناصب خفضه الله
و أبي لهب و غيرهما حيث لم يصدر عنهم قبيح و لا معصية، فلا تتحقّق معصيته من العبد البتّة، و ايضا المعصية قد نهى اللّه تعالى عنها إجماعا و القرآن مملوّ من المناهي و التّوعد عليها، و كلّ ما نهى اللّه عنه فهو قبيح، إذ لا معنى للقبيح عندهم إلا ما نهى اللّه تعالى عنه مع أنّها قد صدرت من إبليس و فرعون و غيرهما من البشر، و كل ما صدر من العبد فهو مستند إلى اللّه تعالى و الفاعل له هو اللّه تعالى لا غير عندهم، فيكون حسنا حينئذ و قد فرضناه قبيحا هف، و أما الثالث فهو باطل بالضّرورة إذ إثبات ما لا يعقل غير معقول و كفاهم من الاعتذار الفاسد اعتذارهم بما لا يعلمونه، و هل يجوز لعاقل منصف من نفسه المصير إلى هذه الجهالات و الدّخول في هذه الظلمات و الاعراض عن الحقّ الواضح و الدّليل اللائح و المصير إلى القول بما لا يفهمه القائل و لا السّامع و لا يدري هل يدفع عنهم ما التزموا به أولا؟ فانّ هذا الدّفع وصف من الصّفات و الوصف إنما يعلم بعد العلم بالذات فإذا لم يفهموه كيف يجوز لهم الاعتذار به، فلينظر العاقل في نفسه قبل دخوله في رمسه [١] و لا يبقى للقول مجال و لا يمكن الاعتذار بمثل هذا المحال [٢] «انتهى»
قال النّاصب خفضه اللّه
أقول: القول الثاني الذي ذكره في معنى الكسب هو مذهب القاضي أبي بكر الباقلاني من الأشاعرة، و مذهبه أنّ الأفعال الاختياريّة من العبد واقعة بمجموع القدرتين على أن تتعلّق قدرة اللّه تعالى بأصل الفعل و قدرة العبد بصفته أعني بكونه طاعة أو معصية إلى غير ذلك من الأوصاف التي لا يوصف بها أفعاله تعالى كما في لطم اليتيم تأديبا أو إيذاء، فان ذات اللّطم واقعة بقدرة اللّه تعالى و تأثيره و كونه طاعة على الأوّل
[١] الرمس: القبر.
[٢] قد مر أنه من اللغات المثلثة التي يختلف معناها حسب اختلاف حركاتها فراجع (ص ١٠٧ ج ١).