إحقاق الحق و إزهاق الباطل - التستري، القاضي نور الله - الصفحة ١٨٦ - قال المصنف رفع الله درجته
تعالى:وَ لَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ [١]، و قوله:أَ وَ لا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لا يَتُوبُونَ وَ لا هُمْ يَذَّكَّرُونَ، [٢] و لا عوض فيه، و إما أن يكون على وجه الابتداء و إنما يحسن فعله من اللّه تعالى بشرطين، أحدهما أن يشتمل على مصلحة إما للمتألم أو لغيره، و هو نوع من اللّطف، لأنه لو لا ذلك لكان عبثا و اللّه تعالى منزّه عنه، الثاني أن يكون في مقابلته عوض للمتألم يزيد على الألم بحيث لو عرض على المتألم الألم و العوض اختار الألم و إلا لزم [٣] الظلم و الجور من اللّه تعالى على عبيده، لأنّ إيلام الحيوان و تعذيبه على غير ذنب و لا لفائدة تصل إليه ظلم و جور و هو على اللّه تعالى محال، و خالفت الاشاعرة في ذلك فجوزوا أن يؤلم اللّه عبده بأنواع الألم من غير جرم و لا ذنب لا لغرض و غاية و لا يوصل إليه العوض، و يعذّب الأطفال و الأنبياء و الأولياء من غير فائدة، و لا يعوّضه على ذلك بشيء البتة، مع أنّ العلم الضروري حاصل لنا بأنّ من فعل من البشر مثل هذا عدّه العقلاء ظالما جائرا سفيها، فكيف
عنده شهادة الزور أو كان الباعث عليه هو اللّه تعالى، لكن لسبق استحقاق المكلف له بارتكاب معصية كآلام الحدود، فلا يجب عوضه عليه تعالى بل عوض الاول على العبد و لا عوض للثاني. م.
[١] البقرة. الآية ٦٥.
[٢] التوبة. الآية ١٢٦.
[٣] حاصل وجه الملازمة أن الإيلام بكل واحد من تلك الآلام على تقدير عدم إيصال العوض يكون إضرارا محضا من غير مستحق لكونه باعثا عليها ابتداء، و لا شك في أن الإضرار المحض من غير استحقاق ظلم، فيكون الإيلام بها على ذلك التقدير ظلما قطعا و إذا ثبت أن عدم إيصال العوض في تلك الآلام الى المتألم بها باطل ممتنع ثبت أن إيصال العوض فيها اليه واجب عليه تعالى و هو المطلوب. هذا خلاصة الكلام في هذا المقام على ما يستفاد من كلامهم في تقرير المرام. و أنت تعلم أن الفرق بين الغم المستند الى علم ضروري أو كسبي و الإحراق عند إلقاء الشخص في النار بأن الباعث على حصول الاول هو اللّه تعالى و على حصول الثاني هو العبد الملقى مشكل جدا فليتأمل ابو الفتح.