منتهى السؤل على وسائل الوصول إلى شمائل الرسول(ص) - عبد الله بن سعيد محمد العبادي - الصفحة ١٩٠ - الفصل الأوّل في جمال صورته
و للّه درّ الأبوصيريّ حيث قال:
فهو الّذي تمّ معناه و صورته * * * ثمّ اصطفاه حبيبا بارئ النّسم
على المحاسن الباطنة، و الأخلاق الزكية؛ و لا أكمل منه (صلّى اللّه عليه و سلم)، و لا مساو له في هذا المدلول؛ فكذلك الدالّ، فيكون ما يشاهد من خلق بدنه آيات على ما يتّضح من عظيم خلق نفسه الكريمة. و ما يتّضح من عظيم أخلاق نفسه، آيات على ما تحقّق له من سرّ قلبه المقدّس، أي: ما اشتمل عليه من المعاني البديعة.
فالمعاني مكنونة فيه لا يطّلع عليها، و لكن يستدلّ عليها بما ظهر من أخلاقه و كمالاته. و هو (صلّى اللّه عليه و سلم)؛ و إن ظهر منه كمالات لا تحصى؛ فهي بالنسبة لما خفي كنقطة من بحر. فالمراتب إذن ثلاث: المشاهد دليل على الباطن، و ذلك الباطن دليل على ما أودع في قلبه من العلوم و المعارف.
(و للّه درّ الأبوصيريّ): محمد بن سعيد الصّنهاجي الدّلاصي المولد، المغربي الأصل، البوصيري المنشأ. ولد ب «دلاص» أول شوال سنة:- ٦٠٨- ثمان و ستمائة، و برع في النظم. قال فيه الحافظ ابن سيّد الناس: هو أحسن من الجزار و الوراق. و مات سنة:- ٦٩٥- ٦٩٤- خمس؛ أو: أربع و تسعين و ستمائة.
كان أحد أبويه من «بوصير الصعيد» و الآخر من «دلاص» بفتح الدال المهملة: قرية ب «البهنسا»، فركّبت النسبة منها؛ فقيل الدلاصيري. ثم اشتهر بالبوصيري؛ لنشأته بها، أو لأنّها بلد أبيه. فقوله «الأبوصيري» منتقد، لأنّ القرية إنما هي «بوصير» و النسبة إليها البوصيري، كما في «المراصد» و «اللباب» و «لبّه» في باب الموحدة؛ لا الهمزة. (حيث قال) في «بردة المديح»:
(فهو الّذي تمّ): كمل (معناه): حال باطنه، (و صورته): حال ظاهره؛ بالرفع عطف على «معناه» و النصب مفعول معه (ثمّ اصطفاه): اختاره (حبيبا بارئ): خالق (النّسم): جمع نسمة- بفتحتين-: و هي الإنسان.
و «ثمّ» للترتيب في الإخبار؛ دون الصفات، أو في الاصطفاء؛ كما قال المحلّي، نظرا للوجود الخارجي، فإن اتخاذه حبيبا و مخاطبته به بعد تمام معناه و صورته: