رياض الأبرار في مناقب الأئمة الأطهار - الجزائري، السيد نعمة الله - الصفحة ٣٨ - حكاية المصروع
و كان يخرج في الليلة الظلماء فيحمل الجراب على ظهره و فيه الصرر من الدنانير و الدراهم و ربما حمل على ظهره الطعام و الحطب حتّى يأتي بابا بابا فيقرعه ثمّ يناول من يخرج إليه و كان يغطّي وجهه إذا ناول فقيرا لئلّا يعرفه.
فلمّا توفّي فقدوا ذلك فعلموا أنّه كان عليّ بن الحسين.
و لمّا وضع على المغتسل نظروا إلى وجهه و عليه مثل ركب الإبل ممّا كان يحمل على ظهره إلى منازل الفقراء.
و لقد كان (عليه السّلام) يأبى أن يواكل امّه فسئل عن ذلك فقال: إنّي أكره أن تسبق يدي إلى ما سبقت عينها إليه فأكون عاقّا لها [١].
و روي أنّه كان بعد ذلك يضع على الفواكه و نحوها غطاء و يأكل مع امّه و لقد سألت عنه خادمة له بعد موته فقالت: أطنب أو أختصر؟ فقيل لها؛ بل اختصري، فقالت: ما أتيته بطعام نهارا قطّ و ما فرشت له فراشا بليل قط.
و قد انتهى ذات يوم إلى قوم يغتابونه فوقف عليهم فقال: إن كنتم صادقين فغفر اللّه لي و إن كنتم كاذبين فغفر اللّه لكم.
و كان إذا جاءه طالب علم فقال: مرحبا بوصية رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يعني من أوصى به رسول اللّه ثمّ يقول: إنّ طالب العلم إذا خرج من منزله لم يضع رجليه على رطب و لا يابس من الأرض إلّا سبّحت له إلى الأرضين السابعة و لقد كان يعول مائة بيت و قيل خمسمائة من فقراء المدينة.
و كان يعجبه أن يحضر طعامه اليتامى و الزمنى و المساكين و كان يناولهم بيده و من كان منهم له عيال حمل له إلى عياله.
و لقد كان تسقط منه كلّ سنة سبع ثفنات من سجوده لكثرة صلاته و كان يجمعها فإذا مات دفنت معه.
و لقد بكى على أبيه عشرين سنة و ما وضع بين يديه طعام إلّا بكى حتّى قال له مولى له: يا ابن رسول اللّه أما آن لحزنك أن ينقضي؟
فقال له: ويحك إنّ يعقوب النبيّ (عليه السّلام) كان له اثنا عشر ابنا فغيّب اللّه عنه واحدا منهم
[١]- الخصال: ٥١٧ ح ٤، و بحار الأنوار: ٤٦/ ٦١ ح ١٩.