رياض الأبرار في مناقب الأئمة الأطهار - الجزائري، السيد نعمة الله - الصفحة ٢٠٧ - اللّا شيء ما هو؟
من الغد أتى أبو حنيفة فقال (عليه السّلام): جئت تقبض ثمن البغلة؟
قال: نعم، فركب (عليه السّلام) البغلة و ركب أبو حنيفة بعض الدواب فتصحرا جميعا.
فلمّا ارتفع النهار نظر أبو عبد اللّه (عليه السّلام) إلى السراب يجري قد ارتفع كأنّه الماء الجاري فقال أبو عبد اللّه (عليه السّلام): يا أبا حنيفة ما هذا الذي عند الميل كأنّه يجري؟
قال: ذاك الماء يا ابن رسول اللّه.
فلمّا وافيا الميل و جداه أمامهما فتباعد، فقال أبو عبد اللّه (عليه السّلام): اقبض ثمن البغلة، قال اللّه تعالى: كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً حَتَّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَ وَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ [١] قال: فخرج أبو حنيفة إلى أصحابه حزينا فقالوا له: ما لك يا أبا حنيفة؟
قال: ذهبت البغلة هدرا و كان قد اعطي بالبغلة عشرة آلاف درهم [٢].
أقول: كان السائل لأبي حنيفة كان من أهل الكتاب، و كان في كتابهم تفسير اللّاشيء بالسراب كما هو الوارد في القرآن العزيز و فيه دلالة على جواز أن يكون الثمن من قبيل اللّاشيء و به يصحّ البيع و تملك السلعة لأنّه يؤول إلى كون الثمن تعليم مسألة علمية فيدخل تحت الإجارات و إن وقع بصيغة البيع.
[في] كنز الفوائد ذكروا أنّ أبا حنيفة أكل طعاما مع الصادق (عليه السّلام).
فلمّا فرغ من الأكل قال: الحمد للّه ربّ العالمين اللّهم إنّ هذا منك و من رسولك فقال أبو حنيفة: يا أبا عبد اللّه أجعلت مع اللّه شريكا؟
فقال له؛ ويلك إنّ اللّه يقول في كتابه: وَ ما نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْناهُمُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ [٣] و يقول في موضع آخر: وَ لَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا ما آتاهُمُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ وَ قالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَ رَسُولُهُ [٤] فقال أبو حنيفة: و اللّه لكأنّي ما قرأتهما قط من كتاب اللّه و لا سمعتهما إلّا في هذا الوقت. فقال (عليه السّلام): بل قرأتهما و لكن اللّه تعالى أنزل فيك و في أشباهك أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها و قال: كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ [٥].
[١]- سورة النور: ٣٩.
[٢]- الأختصاص: ١٩٠.
[٣]- سورة التوبة: ٧٤.
[٤]- سورة التوبة: ٥٩.
[٥]- سورة المطفيفين: ١٤.