رياض الأبرار في مناقب الأئمة الأطهار - الجزائري، السيد نعمة الله - الصفحة ٤٢٢ - الفصل الخامس في شهادته
بعد ما سمعت ليكوننّ هلاكك فيه.
فقلت: لك ذلك، فأخذ منّي عهدا و أكّده عليّ، فلمّا ولّيت عنه صفق بيديه و قال:
يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَ لا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَ هُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ ما لا يَرْضى مِنَ الْقَوْلِ وَ كانَ اللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطاً [١]، انتهى ملخّصا [٢].
و عن ياسر الخادم قال: لمّا كان بيننا و بين طوس سبعة منازل اعتلّ الرضا (عليه السّلام) فدخلنا و قد اشتدّت به العلّة فبقينا بطوس أيّاما فكان المأمون يأتيه في كلّ يوم مرّتين، فلمّا كان في آخر اليوم الذي قبض فيه كان ضعيفا في ذلك اليوم، فقال لي بعدما صلّى الظهر: يا ياسر أكل الناس شيئا؟ قلت: يا سيّدي من يأكل هاهنا مع ما أنت فيه فانتصب ثمّ قال: هاتوا المائدة و لم يدع من حشمه أحدا إلّا أقعده معه على المائدة يتفقّد واحدا واحدا، فلمّا أكلوا قال:
ابعثوا إلى النساء بالطعام، فحمل الطعام إلى النساء فلمّا فرغوا من الأكل أغمي عليه و ضعف فوقعت الصيحة و جاء جواري المأمون و نساؤه حافيات حاسرات و وقعت الصيحة بطوس و جاء المأمون حافيا حاسرا يضرب على رأسه و يقبض على لحيته و يتأسّف و يبكي، فوقف على الرضا (عليه السّلام) و قد أفاق، فقال: يا سيّدي و اللّه ما أدري أيّ المصيبتين أعظم عليّ فقدي لك و فراقي إيّاك و تهمة الناس لي إنّي اغتلتك و قتلتك فرفع طرفه إليه ثمّ قال: أحسن يا أمير المؤمنين معاشرة أبي جعفر، فإنّ عمرك و عمره هكذا و جمع بين سبّابتيه، فلمّا كان من تلك الليلة قضى عليه بعد ما ذهب من الليل بعضه، فلمّا أصبح اجتمع الخلق و قالوا: هذا قتله و اغتاله يعني المأمون و قالوا: قتل ابن رسول اللّه و أكثروا القول.
و كان محمّد بن جعفر عمّ الرضا (عليه السّلام) مع المأمون، فقال له: اخرج إلى الناس و اعلمهم أنّ أبا الحسن لا يخرج اليوم و كره أن يخرجه فتقع الفتنة، فخرج محمّد بن جعفر إلى الناس فقال: أيّها الناس تفرّقوا فإنّ أبا الحسن لا يخرج اليوم، فتفرّق الناس و غسّل في الليل و دفن.
و عن أبي الصلت الهروي قال: بينا أنا واقف بين يدي أبي الحسن (عليه السّلام) إذ قال لي: يا أبا الصلت ادخل هذه القبّة التي فيها قبر هارون و ائتني بتراب من أربعة جوانبها، فأتيت به و هو من عند الباب فأخذه و شمّه ثمّ رمى به و قال: سيحفر لي هاهنا فتظهر صخرة لو جمع
[١]- سورة النساء: ١٠٨.
[٢]- عيون أخبار الرضا: ١/ ٢٧٩، و مدينة المعاجز: ٧/ ١٧٥.