رياض الأبرار في مناقب الأئمة الأطهار - الجزائري، السيد نعمة الله - الصفحة ٤٢٠ - الفصل الخامس في شهادته
يضطرب فيه حوت بطوله، فإذا اضطرب فلا تنزلني إلى القبر إلّا إذا غاب الحوت و غار الماء فانزلني في ذلك القبر و الحدني في ذلك الضريح و لا تتركهم يأتوا بتراب يلقونه عليّ فإنّ القبر ينطبق من نفسه و يمتلي.
قلت: نعم يا سيّدي.
قال هرثمة: فخرجت باكيا حزينا، فدعاني المأمون فدخلت و قمت إلى ضحى النهار فقال: امض إلى أبي الحسن الرضا و قل له يصير إلينا فأتيت إليه و أخبرته، فقال: قدّموا نعلي فقد علمت ما أرسلك به فلمّا دخل المجلس قام إليه المأمون و عانقه و أجلسه على سريره و جعل يحادثه ساعة، ثمّ قال لبعض غلمانه: يؤتى بعنب و رمّان.
قال هرثمة: فلمّا سمعت ذلك رأيت الرعدة أخذت بدني فخرجت و رميت بنفسي في موضع من الدار، فلمّا زالت الشمس خرج مولاي إلى داره، ثمّ رأيت الأمر قد خرج من عند المأمون بإحضار الأطبّاء، و قالوا: علّة عرضت للرضا (عليه السّلام) فكان الناس في شكّ و أنا في يقين لما أعرف منه، فلمّا كان الثلث الثاني من الليل علا الصياح و سمعت الأصوات من الدار فأسرعت فإذا أنا بالمأمون مكشوف الرأس محلّل الأزرار قائما على قدميه ينتحب و يبكي فوقفت أتنفّس الصعداء، ثمّ أصبحنا فجلس المأمون للتعزية ثمّ قام و مشى إلى الموضع الذي فيه الرضا (عليه السّلام) فقال: اصلحوا لنا موضعا فإنّي اريد أن أغسله، فدنوت منه فقلت له ما قاله سيّدي بسبب الغسل و التكفين و الدفن،.
فقال: لست أعرض لذلك ثمّ قال: شأنك يا هرثمة فلم أزل قائما حتى رأيت الفسطاط قد ضرب فوقفت من ظاهره و كلّ من في الدار دوني و أنا أسمع التكبير و التهليل و التسبيح و تردّد الأواني و صبّ الماء و تضوّع الطبيب الذي لم أشمّ أطيب منه، فإذا أنا بالمأمون قد أشرف عليّ من بعض أعالي داره فصاح بي: يا هرثمة أليس زعمتم أنّ الإمام لا يغسله إلّا مثله فأين محمّد ابنه و هو بالمدينة؟ فأجبته بما قال لي مولاي، فسكت عنّي ثمّ ارتفع الفسطاط فإذا أنا بسيّدي مدرج في أكفانه فوضعته على نعشه ثمّ حملناه، فصلّى عليه المأمون و جميع من حضر ثمّ رجعنا إلى موضع القبر فوجدتهم يضربون بالمعاول دون قبر هارون ليجعلوه قبلة لقبره و المعاول تنبو عنه، فقال لي: ويحك يا هرثمة أما ترى الأرض كيف تمتنع من حفر قبر له؟