رياض الأبرار في مناقب الأئمة الأطهار - الجزائري، السيد نعمة الله - الصفحة ٣٨٢ - سبب قبول ولاية العهد
فإن وجدتموه قاعدا أو قائما فلا تكلّموه وضعوا أسيافكم عليه اخلطوا لحمه و دمه ثمّ اقلبوا عليه بساطه و امسحوا أسيافكم به و صيّروا إليّ و قد جعلت لكلّ واحد عشر بدر دراهم و عشر ضياع منتخبة، فأخذنا الأسياف بأيدينا و دخلنا عليه في حجرته فوجدناه مضطجعا يقلّب يديه و يتكلّم بكلام لا نعرفه، فبادر الغلمان إليه بالسيوف و وضعت سيفي و أنا قائم أنظر إليه و كأنّه قد علم بمصيرنا إليه فلبس على بدنه ما لا يعمل فيه السيوف فطووا عليه بساطه و خرجوا حتّى دخلوا على المأمون و قالوا: فعلنا ما أمرتنا به.
فقال: اكتموا فلمّا طلع الفجر خرج المأمون فجلس في مجلسه مكشوف الرأس محلول الإزار و أظهر وفاته وقعد للتعزية ثمّ قام حافيا فمشى لينظر إليه و أنا بين يديه، فلمّا دخل عليه حجرته سمع همهمة فأرعد ثمّ قال من عنده؟ قلت: لا علم لنا، فقال: اسرعوا و انظروا، قال صبيح: فأسرعنا إلى البيت فإذا سيّدي جالس في محرابه يصلّي و يسبّح فقلت: يا أمير المؤمنين هو ذا نرى شخصا في محرابه يصلّي و يصبح، فانتفض المأمون و ارتعد ثمّ قال: غررتموني لعنكم اللّه فالتفت إليّ و قال: يا صبيح أنت تعرفه فانظر إليه فدخلت و رجع المأمون، فلمّا صرت عند عتبة الباب قال لي: يا صبيح.
قلت: لبّيك يا مولاي. فقال: يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ وَ يَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَ لَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ [١] فرجعت إلى المأمون فوجدت وجهه كقطع الليل، فقلت له: هذا الرضا جالس في حجرته فشدّ إزاره و أمر بردّ أثوابه و قال: قولوا إنّه غشي عليه و أنّه أفاق.
قال هرثمة: فشكرت اللّه عزّ و جلّ ثمّ دخلت على سيّدي فقال: يا هرثمة لا تحدّث بما حدّثك به صبيح أحدا إلّا من امتحن اللّه قلبه للايمان بمحبّتنا و ولايتنا، فقلت: نعم يا سيّدي، ثمّ قال: يا هرثمة لا يضرّنا كيدهم شيئا حتّى يبلغ الكتاب أجله [٢].
و عن الشيخ المفيد طاب ثراه قال: روي أنّه لمّا سار المأمون إلى خراسان و كان معه الرضا (عليه السّلام) فقال له: يا أبا الحسن إنّي فكّرت في أمرنا و أمركم و نسبنا و نسبكم فوجدت الفضيلة واحدة و رأيت اختلاف شيعتنا في ذلك محمولا على العصبية، فقال (عليه السّلام): إنّ لهذا الكلام جوابا، فقال: قل الجواب، قال: أنشدك اللّه لو أنّ اللّه تعالى بعث نبيّه أحمدا (صلّى اللّه عليه و آله)
[١]- سورة التوبة: ٣٢.
[٢]- عيون أخبار الرضا: ١/ ٢٣٢، و دلائل الأمامة: ٣٦١.