سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٧٨ - الباب السادس عشر في زهده في الدنيا (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و ورعه، و اختياره الفقر، و سؤاله ربه تبارك و تعالى أن يكون مسكينا
فنظر، فلم يجد شيئا يجعلها فيه، فقال: «ضعه في الحضيض، فإنما هو عبد يأكل كما يأكل العبد، و يشرب كما يشرب العبد، لو كانت الدنيا تزن عند اللّه جناح بعوضة ما سقي الكافر منها ماء [١].
و روى البخاري و غيره عن ابن عباس قال: خرج أبو بكر في الهاجرة إلى المسجد فسمع بذلك عمر فخرج، فقال: يا أبا بكر ما أخرجك في هذه الساعة؟ قال: لا، و اللّه ما أخرجني إلا الجوع، فقال: أنا و الذي نفسي بيده، ما أخرجني غيره،
فبينما هما كذلك إذ خرج عليهما رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) [فقال «ما أخرجكما من بيوتكما هذه الساعة؟»] فقالا: الجوع فقال: «أنا و الذي نفسي بيده ما أخرجني غيره،» فقاموا، فانطلقوا حتى أتوا باب أبي أيوب الأنصاري، فذكر الحديث في إتيان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و أبي بكر، و عمر بيت أبي أيوب و ذبحه لهم شاة، و طبخه لها، قال: فأخذ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) من الشاة، و وضعه على رغيف، و قال: «يا أبا أيوب أبلغ هذا فاطمة، فإنها لم تصب مثل هذا منذ أيام» [٢].
و روى مسلم عن أنس رضي اللّه تعالى عنه قال: رأى أبو طلحة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) مضطجعا في المسجد يتقلب على ظهر لبطن و أظنه جائعا و ذكر الحديث.
و روى أبو الحسن بن الضحاك عن عائشة رضي اللّه تعالى عنها قالت: ما أعجب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) بشيء من الدنيا، و لا أعجبه شيء من أمر الدنيا إلا أن يكون ذا تقى [٣].
و روى الإمام أحمد، و أبو يعلى، و البيهقي بسند جيد عن أنس رضي اللّه تعالى عنه قال:
دخلت على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و هو على سرير مرمول بالشّريط، و تحت رأسه و سادة من أدم، حشوها ليف، فدخل عمر بن الخطاب في نفر معه، فانحرف رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) انحرافة، فلم ير عمر بين جنبيه و بين الشريط ثوبا، و قد أثر الشريط بجنب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)،
فبكى عمر، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): «ما يبكيك يا عمر؟ فقال: و اللّه ما أبكي إلا لكوني أعلم أنك رسول اللّه، أكرم على اللّه من كسرى و قيصر، و هما يعيشان في الدنيا فيما يعيشان فيه، و أنت رسول اللّه بالمكان الذي أرى، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): يا عمر أما ترضى أن تكون لهم الدنيا، و لنا الآخرة،» قال: بلى، قال: «فإنه كذلك» [٤].
و روى الإمام أحمد عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما قال: دخل عمر على
[١] أخرجه ابن أبي شيبة ١٣/ ٢٢٥ و انظر المجمع ٥/ ٢٤ و المطالب العالية (٣٨٥٥).
[٢] مسلم ٣/ ١٦٠٩ (١٤٠/ ٢٠٣٨).
[٣] أخرجه أحمد ٦/ ٦٩.
[٤] أحمد ٣/ ١٤٠ أو ابن سعد ١/ ٢/ ١٥٨ و في الدلائل للبيهقي ١/ ٣٣٧ و انظر المجمع ١٠/ ٣٢٦ و البداية ٦/ ٥٧.