سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٧٦ - الباب السادس عشر في زهده في الدنيا (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و ورعه، و اختياره الفقر، و سؤاله ربه تبارك و تعالى أن يكون مسكينا
يخبر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) عن عبد خيّر، و كأن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) هو المخيّر، و كان أبو بكر أعلمنا به [١].
و روى أبو ذر الهروي عن أم سلمة رضي اللّه تعالى عنها قالت: نام رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) على و سادة حشوها ليف، فقام و قد أثر بجلده، فبكيت فقال: «يا أمّ سلمة ما يبكيك؟» قلت: ما أرى من أثر هذه، فقال: «لا تبكي، لو أردت أن تسير معي هذه الجبال لسارت».
و روى عن عطاء بن يسار (رحمه اللّه تعالى) قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): «أتتني الدنيا خضرة حلوة، و رفعت إلى رأسها، و تزيّنت لي، فقلت لها: إني لا أريدك لا حاجة لي فيك، فقالت: إنك إن نلت مني لم ينفلت مني غيرك» [٢].
و روى الإمام أحمد، و ابن حبّان عن أبي هريرة، و يعقوب بن سفيان و ابن مردويه عن ابن عباس أن جبريل جلس إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) عليهما، فنظر إلى السماء، فإذا ملك ينزل، فقال جبريل: إن هذا ملك ما نزل منذ خلق قبل الساعة، فلما نزل قال: يا محمد إن اللّه تعالى يخيّرك بين أن تكون نبيا عبدا أو تكون نبيا ملكا، فالتفت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) إلى جبريل كالمستشير له، فأشار جبريل إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) أن تواضع لربك، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): «بل أكون نبيا عبدا»، قال ابن عباس: فما أكل بعد تلك طعاما متكئا حتى لقي ربه» [٣].
و روى الطّبراني عن ابن عمر رضي اللّه تعالى عنهما قال: سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) يقول: «لقد هبط عليّ ملك من السماء ما هبط على نبي قبلي، و لا يهبط على أحد بعدي، و هو إسرافيل، فقال: أنا رسول ربك إليك أمرني أن أخيّرك: إن شئت نبيا عبدا و إن شئت نبيا ملكا، فنظرت إلى جبريل فأومأ إليّ أن تواضع، فلو أني قلت: نبيا ملكا لسارت الجبال معي ذهبا» [٤].
و روى البرقاني و ابن أبي شيبة، و ابن جرير، عن خيثمة قال: قيل للنبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) إن شئت أعطيناك خزائن الأرض، و مفاتيحها، ما لم يعط شيء قبلك، و لا نعطيها أحدا بعدك، و لا ينقصك ذلك مما عند اللّه شيئا، و إن شئت جمعتها لك في الآخرة، فقال: «اجمعوها لي في الآخرة» [٥].
[١] أخرجه البخاري ٣/ ٣٢٧ (١٤٦٥) و مسلم ٢/ ٧٢٨ (١٢٣/ ١٠٥٢).
[٢] ذكره الرازي في العلل (١٩٣٠) و أحمد في الزهد (٣٩٩).
[٣] ابن المبارك في الزهد (٢٦٥) و الطحاوي في المشكل ٣/ ١٦ و البيهقي في السنن الكبرى ٧/ ٤٩ و ابن كثير في البداية ٦/ ٥٦.
[٤] الطبراني في الكبير ١٢/ ٣٤٨ و أبو نعيم في الحلية ٣/ ٢٥٦ و انظر المجمع ٩/ ١٩.
[٥] أخرجه ابن جرير في التفسير ١٨/ ١٤٠ و ابن كثير ٦/ ١٠٤.