سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٧٧ - الباب السادس عشر في زهده في الدنيا (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و ورعه، و اختياره الفقر، و سؤاله ربه تبارك و تعالى أن يكون مسكينا
و روى ابن المبارك عن أبي أمامة رضي اللّه تعالى عنه قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): «عرض علي ربي ليجعل لي بطحاء مكة ذهبا، فقلت: يا رب، و لكن أشبع يوما، و أجوع يوما، أو قال: ثلاثة، أو نحو هذا، فإذا جعت تضرعت إليك، و إذا شبعت حمدتك، و شكرتك.
و روى ابن المبارك و التّرمذي عن أبي سعيد رضي اللّه تعالى عنه قال: أحبّوا المساكين، فإني سمعت
رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) يقول: «اللهم أحيني مسكينا، و أمتني مسكينا، و احشرني في زمرة المساكين» [١].
و روى ابن عديّ عنه أيضا قال: يا أيها الناس، لا يحملنكم العسر على طلب الرزق من غير حلّه، فإني سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) يقول: «اللهم توفّني فقيرا، و لا توفني غنيا، و احشرني في زمرة المساكين، فإن أشقى الأشقياء من اجتمع عليه فقر الدنيا، و عذاب الآخرة» [٢].
و روى الإمام أحمد، و أبو يعلى، و تمّام الرازي، و ابن عساكر و أبو داود الطّيالسي، و التّرمذي- و صححه- عن ابن مسعود- رضي اللّه تعالى عنه قال: اضطجع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) على حصير فأثر في جنبه، فلما استيقظ جعلت أمسح عنه، فقلت: يا رسول اللّه ألا آذنتنا فبسطت شيئا يقيك منه، تنام عليه، فقال: «ما لي و للدنيا، ما أنا و الدنيا إلا كراكب سار في يوم صائف، فقال تحت شجرة ثم راح و تركها» [٣].
و روى الشيخان و أبو الحسن بن الضحاك عن عمر بن الخطاب رضي اللّه تعالى عنه قال: دخلت على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فإذا هو متكئ على رمال حصير قد أثر في جنبه، فرفعت رأسي في البيت، فو اللّه ما رأيت فيه شيئا يرد البصر، إلا أهب ثلاثة معلقة، و صبرة من شعير، فهملت عينا عمر فقال: ما لك؟ فقلت يا رسول اللّه أنت صفوة اللّه من خلقه، و كسرى و قيصر فيما هما فيه؟ فجلس محمرا وجهه، فقال: «أفي شك أنت يا ابن الخطاب؟ ثم قال: أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم في حياتهم الدنيا، أما ترضى أن تكون لهم الدنيا، و لنا الآخرة؟» قلت:
بلى، يا رسول اللّه، فأحمد اللّه عز و جل، زاد أبو الحسن بن الضحاك: يا عمر لو شاء أن يسيّر الجبال الراسيات معي ذهبا لسارت [٤].
و روى ابن أبي شيبة عن رجل من بني سالم أو فيهم أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) أتي بهدية،
[١] تقدم.
[٢] ابن عدي ٣/ ٨٨٤ و انظر الميزان للذهبي (٢٤٧٥).
[٣] ابن المبارك ص ٥٤ (١٩٥) و أحمد ١/ ٣٩١ و الترمذي ٤٥/ ٥٨٨ (٢٣٧٧) و قال حسن صحيح و ابن ماجة ٢/ ١٣٧٦ (٤١٠٩) و الحاكم ٤/ ٣١٠ و انظر كنز العمال (٦١٤٢).
[٤] مسلم في الطلاق (٣٤) و أحمد ١/ ٣٤ و انظر الدر المنثور ٦/ ٢٤٢ و البداية لابن كثير ٦/ ٥٧.