سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٢٨٩ - تنبيهات
و روى البلاذري عن أنس رضي اللّه تعالى عنه قال: كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) يقنّع رأسه حتى ينظر إلى حاشية ثوبه.
و روى الطّبراني عن ابن عمر رضي اللّه تعالى عنهما أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال: «الأردية ألبسة العرب، و الالتفاع لبسة الإيمان»، و كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) يتلفّع.
و روى ابن عديّ عن عون بن سلّام عن معلّى بن هلال [١] عن ابن أبي نجيح عن مجاهد عن عبد اللّه رضي اللّه تعالى عنهم قال: التلفّع و التّقنّع من أخلاق الأنبياء (عليهم السلام)، و كان النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) يتقنّع و الأحاديث في هذه كثيرة.
تنبيهات
الأول: قال الحافظ (رحمه اللّه تعالى): قول عائشة متقنّعا أي مطيلسا رأسه، و هو أصل في لبس الطّيلسان، و قال أيضا في موضع آخر من الفتح: التّقنّع تغطية الرأس و أكثر الوجه برداء أو غيره.
و قال التّوربشتي في قول ابن عمر رضي اللّه تعالى عنهما تقنّع: أي لبس قناعا على رأسه، و هو شبه الطّيلسان.
الثاني: قول ابن القيّم (رحمه اللّه تعالى): لم ينقل أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) لبسه أي الطّيلسان، و لا أحد من أصحابه، بل ثبت
في صحيح مسلم من حديث النّوّاس بن سمعان عن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) أنه ذكر الدّجال، فقال: يخرج معه سبعون ألفا من يهود إصبهان عليهم الطيالسة،
و رأى أنس رضي اللّه تعالى عنه جماعة عليهم الطّيالسة فقال: ما أشبههم بيهود خيبر، و من هنا كرهه جماعة من السلف، و الخلف، لما
روى أبو داود و الحاكم في المستدرك عن ابن عمر رضي اللّه تعالى عنهما عن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) أنه قال: «من تشبه بقوم فهو منهم»
و في التّرمذي: «ليس منّا من تشبّه بغيرنا»
و أما ما جاء في حديث الهجرة أنه (صلّى اللّه عليه و سلّم) جاء إلى أبي بكر رضي اللّه تعالى عنه متقنّعا بالهاجرة فإنما فعله (صلّى اللّه عليه و سلّم) تلك الساعة ليختفي بذلك للحاجة، و لم تكن عادته التقنع، و قد ذكر أنس رضي اللّه تعالى عنه أن كان (صلّى اللّه عليه و سلّم) يكثر القناع، و هذا إنما كان يفعله للحاجة من حر و نحوه- انتهى كلامه، و هو مردود من وجوه:
التنبيه الأول: قوله لم ينقل أنه (صلّى اللّه عليه و سلّم) لبسه يرده ما رواه التّرمذي في الشّمائل، و ابن سعد و البيهقي عن يزيد بن أبان و الخطيب عن الحسن بن دينار عن قتادة كلاهما عن أنس رضي اللّه تعالى عنهم، و البيهقي عن سهل بن سعد السّاعدي رضي اللّه تعالى عنهما أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) كان يكثر التّقنّع، و لفظ التّرمذي و سهل: القناع، و لفظ الخطيب: ما رأيت أدوم قناعا من
[١] معلّى بن هلال بن سويد، أبو عبد اللّه الطحّان الكوفي، اتفق النقاد على تكذيبه. التقريب ٢/ ٢٦٦.