التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٥٨ - روح القدس
و إنّ منّا لمن ينقر في قلبه كيت و كيت. و إنّ لمن يسمع كوقع السلسلة تقع في الطست»[١].
هذا بيان لأنواع التبصّر الروحي الحاصل لخلّص عباد اللّه المقرّبين، من أنبياء و أوصياء و صلحاء ... فمنهم من يعاين روح القدس ماثلا لديه، و منهم من ينكت في قلبه و يلهم الحقائق الملكوتيّة فيحسّ بها من داخل ضميره، و منهم من يستمع إلى الوحي ينزل عليه و له وقع كوقع السلسلة تصيب الطست.
و منهم من يرى في المنام الرؤيا الصادقة، كما في رؤيا إبراهيم عليه السّلام و للعلّامة المجلسي هنا بيان لطيف بشأن الأرواح الخمسة الواردة في هذه الروايات و لا سيّما روح القدس. قال: و لعلّ المراد بها هي مراتب النفس الكماليّة، تبتدئ بصفات جسمانيّة، و تتصاعد درجات لتبلغ مرتبة الشفّافيّة الملكوتيّة، المعبّر عنها بروح القدس، هي روحاء واسعة الأرجاء، طيّبة زكيّة نقيّة، تتجلّى فيها قدسيّة الحقائق المتعالية، و المهيمنة على آفاق الوجود و المصطلح عنها بعوالم الكشف و الشهود[٢].
[٢/ ٢٦١٨] قال الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام: «... و ما برح للّه- عزّت آلاؤه- في البرهة بعد البرهة، و في أزمان الفترات، عباد ناجاهم في فكرهم، و كلّمهم في ذات عقولهم، فاستصبحوا بنور يقظة في الأبصار و الأسماع و الأفئدة ... حتّى كأنّهم يرون ما لا يرى الناس، و يسمعون ما لا يسمعون ... فلو مثّلتهم لعقلك في مقاومهم المحمودة[٣] و مجالسهم المشهودة ... لرأيت أعلام هدى و مصابيح دجى، قد حفّت بهم الملائكة، و تنزّلت عليهم السكينة، و فتحت لهم أبواب السماء»[٤].
و هذا هو المعبّر عنه في كثير من الروايات بعمود النور، يرون فيه ما غاب و حضر.
[٢/ ٢٦١٩] كما جاء عن الإمام عليّ بن موسى الرضا عليه السّلام: «إنّ اللّه- عزّ و جلّ- أيّدنا بروح منه مقدّسة مطهّرة، ليست بملك كانت مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و هي مع الأئمّة منّا، تسدّدهم و توفّقهم، و هو عمود من نور بيننا و بين اللّه- عزّ و جلّ-»[٥].
[٢/ ٢٦٢٠] و سأل المأمون العبّاسى الإمام الرضا عليه السّلام عن علمهم بما في قلوب الناس؟ فقال: أما بلغك قول رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «اتّقوا فراسة المؤمن، فإنّه ينظر بنور اللّه»!! قال: «و ما من مؤمن إلّا و له
[١] البحار ٢٥: ٥٠- ٥١/ ١١ عن البصائر.
[٢] راجع: بحار الأنوار ٢٥: ٥٣- ٥٤.
[٣] جمع مقام: مقاماتهم في خطاب الوعظ.
[٤] نهج البلاغة، الخطبة: ٢٢٢.
[٥] العيون ٢: ٢٠٠/ ٢؛( باب ٤٦، ما جاء عن الرضا عليه السّلام في وجه دلائل الأئمّة)؛ البحار ٢٥: ٤٨/ ٧.