التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٣٢ - وقفة عند مسألة الرؤية
عين الرائي، فتنطبع فيها صورته الخارجيّة.
هذه هي حقيقة الرؤية بالعين، المستدعية للتقابل مع الشيء المرئي تقابلا بالتحيّز، كلّ في جهة. و هذا تجسيم يستدعي تشبيها بخلقه، تعالى اللّه عن ذلك.
و أجاب الأشعري عن آية الأبصار بأنّه من المحتمل أن يراد: لا تدركه الأبصار في الدنيا، و تدركه في الآخرة. أو يراد: لا تدركه أبصار الكافرين المكذّبين[١].
قلت: لعلّ من الواضح البيّن أنّ شيخ الأشاعرة ارتكب تأويلا باهتا و حوّر وجه الآية إلى غير وجهها الوجيه، و من غير ضرورة تدعوه إلى هذا الارتكاب الغريب، الّذي هو أشبه بالتفسير بالرأي المقيت!
يا ترى، كيف يصرف إطلاق وجه الآية و يحوّلها إلى ما لا دلالة عليه، لا من العقل الرشيد و لا من النقل السديد!
و لعلّه استند إلى رواية مجهولة الإسناد حسبها مرفوعة إلى المعصوم، ممّا دعى بمثل الزمخشري أن يسخر منه و يصفها بالمرقوعة- بالقاف- أي المفتراة، لا تصدر إلّا عن رقيع[٢] قال:
و زعمت المشبّهة و المجبّرة[٣] أنّ الزيادة النظر إلى وجه اللّه تعالى.
[٢/ ١٩٨٠] و جاءت بحديث مرقوع: «إذا دخل أهل الجنّة الجنّة نودوا: يا أهل الجنّة! فيكشف الحجاب فينظرون إليه. فو اللّه ما أعطاهم اللّه شيئا هو أحبّ إليهم منه»[٤].
و الحديث رواه مسلم و غيره بالإسناد إلى حمّاد بن سلمة عن ثابت البناني عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن صهيب عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم[٥].
[١] راجع: الإبانة: ٣٠.
[٢] راجع: روح المعاني للآلوسي ١١: ٩١. يقال: رقع رقاعة: حمق و كان قليل الحياء، فهو رقيع و أرقع.
[٣] قال الشيخ محمّد عليان: يريد أهل السنّة القائلين بجواز رؤيته تعالى و وقوعها في الآخرة( هامش الكشّاف ٢: ٣٤٢).
[٤] الكشّاف ٢: ٣٤٢.
[٥] مسلم ١: ١١٢ باب إثبات رؤية المؤمنين ربّهم في الآخرة؛ مسند أحمد ٤: ٣٣٢ و ٦: ١٦؛ الترمذي ٥: ٢٨٦ تفسير سورة يونس؛ ابن ماجة ١: ٨١ باب فيما أنكرت الجهمية من المقدّمة.