التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٨٨ - ١ - نسخ الحكم و التلاوة معا
الحديث فلم يذكروا له شاهدا صالحا للاعتماد و هي بضع آيات زعموا نسخها ممّا وقع موضع البحث و النقاش. و لنذكرها و نذكر دلائلهم على النسخ، لنضع اليد على مواضع الضعف منها.
*** [انحاء الثلاثة للنسخ في القرآن]
ذكروا للنسخ في القرآن أنحاء ثلاثة:
١- نسخ الحكم و التلاوة معا
بأن تسقط من القرآن آية كانت ذات حكم تشريعيّ، و كان المسلمون يتداولونها و يقرءونها و يتعاطون حكمها ثمّ نسخت و بطل حكمها و محيت عن صفحة الوجود.
هذا النوع من النسخ مرفوض عندنا البتّة، و يتحاشاه الكتاب العزيز الذي لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ لا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ.[١]
و قد حاول بعض القدامى من أهل الحديث[٢]، و هكذا لفيف من المحدثين غير المحقّقين[٣] إثبات هذا النوع من النسخ في القرآن، بحجّة مجيئه في حديث صحيح الإسناد إلى عائشة، أنّها قالت:
[٢/ ٢٩٤٠] كان فيما أنزل من القرآن: «عشر رضعات معلومات يحرّمن». ثمّ نسخن بخمس معلومات قالت: و توفّي رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و هنّ فيما يقرأ من القرآن![٤]
قلت: هذا شيء عجيب، كيف يلتزم به من لا يرى التحريف في كتاب اللّه!؟ إذ يرجع إثبات مثل هذا النوع من النسخ، إلى القول بسقوط آيات من الذكر الحكيم، بعد وفاة سيّد المرسلين، و كانت تقرأ حتّى ما بعد وفاته صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فأنسئت لا عن سبب معروف.
و الغريب أنّ الشيخ الزرقاني حاول إثبات مثله بحجّة إجماع القائلين بالنسخ من المسلمين، و بدليل وقوعه سماعا[٥]!
غير أنّ المحقّقين من العلماء أبطلوا مثل هذا النوع من النسخ رأسا، بدليل استلزامه التحريف
[١] فصّلت ٤١: ٤٢.
[٢] راجع: الإتقان ٣: ٦٣.
[٣] راجع: مناهل العرفان ٢: ٢١٤.
[٤] راجع: مسلم ٤: ١٦٧ و الترمذي ٣: ٤٥٦.
[٥] مناهل العرفان ٢: ٢١٤.